ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف |
جمعة السنوسي
قراءة في كتاب
المواقف والمخاطبات
للنفّري
وشرحه
لعفيف الدِّين التِّلمساني
الموقف رقم 8:
موقف الوقفة
إعداد وتحقيق: محمد بن أحمد باغلي
وَالَّذِِي نَفْهَمُهُ مِنْ هَذَا الكَلاَمِ حَسَنٌ،
وَالمُشَكَّلُ عَلَيْنَا نَكِلُ أَمْرَهُ إِلَى اللهِ –تَعَالَى-،
وَلاَ كُلِّفْنَا اِتِّبَاعَهُ وَلاَ العَمَلَ بِمَا قَالَهُ…
فإن وجدت عيبا أو تصحيفا فاصلحه وكن ظريفا
من هو النِّفَّرِي ؟ :
هو محمّد بن عبد الجبّار بن الحسن بن أحمد النفّري الصّوفي البصري
النِّفَّرِي، نسبة إلى قرية نِفَّر في العراق
توفي في إحدى قرى مصر في 354هـ/م965
عاش وحدة الشهود في كلّ خطراته وتأمّلاته الصوفيّة مع المواقف والمخاطبات.
كتاب المواقف والمخاطبات
كتب سنة 352هـ/م963 وهناك من يقول:
أنّ الذي أعدّ المواقف هو ابن الشيخ النِّفَّري وليس الشيخ نفسه.
أنّ الذي سجّل أو أعدّ أو دوّن هذه المواقف هو ابن ابنة الشيخ النِّفَّري، وليس ولده المباشر، وليس الشيخ نفسه بكلّ تأكيد.
أنّ الشيخ النِّفَّري لم يعدّ بنفسه أي كتاب، لكنّه كان يدوّن هذه الإيحاءات أو هذه الخطرات على قصاصات من الورق نقلت بعد موته
أنّه سمعه من كلام شيخه أبي عبد الله محمد بن عبد الله النِّفَّرِي (هكذا في مخطوطة آيا صوفيا 2121)
نشره أرثير آربري سنة 1934 بالقاهرة عن سبع مخطوطات:
مخطوطة المكتبة التيمورية الموجودة حاليا بدار الكتب المصرية (الهيئة المصرية العامة للكتاب) تصوف تيمور مؤرخة 3 رجب عام 1116هـ رقم (11)
نسخة المكتبة البودليانية بأكسفورد، مؤرّخة عام 694هـ، رقم (166)
نسخة بنفس المكتبة ، غير مؤرخ رقم (4)
نسخة بنفس المكتبة غير مؤرخة رقم (554)
نسخة مكتبة غوطة، مؤرخة عام 581هـ رقم (880)
نسخة مكتبة ليدن، غير مؤرخة، رقم (638)
نسخة المكتبة الهندية بلندرا مؤرخة عام1087هـ رقم (597)
The Mawâqif and Mukhâtabât of M.b.A. al-Niffarî with other fragments ed..by A.J.Arberry (Gibb Mem. NS IX) London 1935
من هو عفيف الدِّين التِّلمساني ؟
هو أبو الربيع عفيف الدين سليمان
بن شمس الدين علي بن عبد الله بن علي بن تيس العُبَّادِي الكوميّ التّلمساني
وُلِدَ وَنَشأَ بِتِلِمْسَان عام
ثم قال حدثني أبي عمر بن الخطاب
قال
بينما نحن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب شديد سواد ا

بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على سيِّدنا محمد و آله و صحبه
سُـــلَــيْــمــان بــنُ عــبــد اللــه الكامل.
نشدُّ الِّرحالَ اليومَ إلى قرية العلْوِيِّين ( عـين الحـوت)، حيثُ ضريحُ أحدِ أعْلامِ آلِ البيتِ، و هو من عظماء أصحاب الدّعوة لِدينِ الله، في المغرِبِ قاطِبةً، و في تـلـمسـان خصوصاً، تلك الشخصيّة التي غطَّاها الغُبارُ ، و كادت تصبِح نِسياً منسياً؛ ذلكم هو سليمان بن عبد الله، دفين عين الحوت.
فنحن لا نبالغ إذا زعمنا أنّ هذا الشّخصَ يجهلُهُ الجميعُ، حتى من المثقّفين و المؤرخين؛ فهو، و لو حرز شهرةً واسِعةً لترسيخ الدين الحنيف، و بناء المجتمع الإسلامي، فلن نجْدَ الآن من أمره خيراً؛ و لا نبالغ أيضاً إذا قلنا أنه، مع ذلك، الشخص الذي يكاد لا يعرف أحدٌ من حياته القليل و لا الكثير. فهو سْرٌّ مكنون في أحشاء التاريخ. فأردنا الاقتناص عن آثاره، و الاستقصاء عن أخباره..
و يذهبُ جهلُنا إلى أنّنا لا نعرف متى وُلِد، و متى قضى نحبَه، إلاّ ما ذكره بعض المؤرخين عن وفاته، ممّا سنتعرّضُ له من بعد.
و الأمرُ الذي يبعث إلى العجب هو أنه و إن كان بعيدَ العهد مِنَّا جدّاً ( فهو بين ظهرانينا منذُ ثلاثة عشرة قرنا) ، فلم نجد مسلكاً في الإطِّلاع عن أحواله، و التعرّف عن أطوار حياته، و لا يعرفه النزر القليل منّا إلاّ باسم سِيدِي سْليمانْ، و يضاف عند التحير مولى النخلة اللي قبره قدّام مسجد و ضريح سيدي محمد بن علي.
و الحقيقة هو أن ذكره لا يأتي إلاّ مقروناً مع سرد أسماء إخوته، أبناء عبد الله الكامل، أو في ظلِّ الأدارسة.
أو ليس ذلك هو الدليل القويُّ على إهمالنا لأعلامنا، و عدم إنصافنا لهم، حتى نَنْفَضََ عنهم غبار النسيان ؟
أو لم يحِنْ بعدُ زمنُ التخلُّص من هذه اللامبالاة، بل من هذا الإهمال الذي قضى على جُلِّ مآثر أسلافنا، و بالتالي على ما ورثناه من أحسابنا التي نسعى لإيجادها و تهيئة أسبابها؟
و نحن في محاولتنا هذه لا نطمح إلاّ في رفع الغطاء، ما استطعنا، عن حياة هذا الرجل، وتقديم ما تمكّنا من وجوده في المراجع التي ذكرته عرَضاً، و أردنا أن نلمَّ الكِسَر و نؤلِّف بينها عسى أن نخرج بعملٍ متماسكٍ يعطينا نظرةً أوّليَّةً شاملةً عن هذا العَلَم المجهول من لدنا.
فأول ما نذكر، مما تعرفنا عليه اسمُه، و نسبُه، ثم تحديد سنة ولادته و سنة وفاته؛
ثانيا: ذكر حياته في بيئة أسرته من آل البيت؛
ثالثاً: ما تصورناه من أعماله في سبيل الدَّعوة عند استقراره يتلمسان و أحوازها(عين الحوت)؛
و أخيراً: ذكر مناقبه و ما بذله في نشر الإسلام بالمغرب الأوسط، و أثار ذلك عبر أعقابه.
أولاً: اسمه و نسبه؛ مولده و وفاته:
هو سُلَيمانُ بنُ عبدِ الله الكامل المحض بن الحسن المثنى، بن الحسن السبط، بن علي بن أبي طالب رضي الله عنه، و فاطمة الزهراء، بنت رسول الله صلى الله عليه و سلم.
و من المعلوم أنه يصعُب على من يبحثُ عن حياة الأعلام تحديدَ سنة الوِلادة، بخلاف تحديد سنة الوفاة، حيثُ يكون صاحبُ الترجمة قد اشتهر، و علا نجمُه في الأفاق بين أهل زمانه، فهم على بيِّنَةٍ و علمٍ بتاريخ موته. و لهذا لم تُحدِّد كُتُبُ التاريخ مولدَ سليمان بن عبد الله. لكن التقديرات كما سنبيِّنُه تسير إلى احتمال مولده سنة 110 هجرية/ 728-729 م؛ أي في بداية العقد الثاني من القرن الثاني للهجرة النبوية. ودلك استنادا لبعض علامات تاريخية تركت أثرَها في حياة أسرته الشريفة.
كان أبوه، عبد الله الكامل نقيبَ الحَسَنِيِّين في المدينة المنوّرة على عهد الأموِيين، ثم المروانيين منهم، منذُ خلافة هشام بن عبد المالك، ثم على عهد بني عمومتهم الطالِبيين من بني العباس، خلال عهدي الخليفتين أبي العباس السفاح و أبي جعفر المنصور؛ كان لعبد الله الكامل ستة أو سبعة أبناء، حسب المؤلفين:
محمد النفس الزكية، و موسى و أمهم هِند بنت عُبيدة الصحابي من آل عزي .
إدريس، و سليمان، و عيسى، و أمهم عـــائكة المخزؤمية .
و يحيى، وإبراهيم وأمهما قريبة بنت عبد الله .
كان أربعة من بني عبد الله أئمة للحركة الزيدية: محمد النفس الزكية، و إبراهيم، و يحيى، و إدريس.
تُوُفِّيَ محمد المُلقَّب النفس الزكية سنة 145هجرية/762مو و عمره 45 سنة، ذلك بعد خروجه على أبي جعفر المنصور بالمدينة المنورة، و على هذا قد نكون زيادته سنة 100 هجرية;
تُوُفِّيَ أخوه إبراهيم في نفس السنة، بعد خروجه بالبصرة على نفس الخليفة، و عمره 43 سنة؛ فقد يكون ميلاده سنة 102 هجرية
تُوُفِّيَ أبوهم عبد الله بن الحسن المثنى سنة 144 هجرية/ 762م، في سجن أبي جعفر المنصور، و عمره 75 سنة؛ و قد تكون 69 هجرية سنة ولادته
تُوُفِّيَ يحيى الذي كان إماماً بـالَّدْيْــَلم، ثم تخلى عن الإمامة بعد ما أمنه هارون الرشيد، إلاّ أنه حبسه، فمات في السجن سنة 157 هجرية/774م[9]
حسب هذه المعلومات، و تآريخها، و إذا افترضنا أن الفترة بين ولادتين تغطّي سنتين، و أن سليمان هو أصغر أبناء عبد الله الكامل، حسب تسلسل أسماءهم، فمن المحتمل أن تكون سنة 110 هجرية/738م هي سنة ولادة سليمان بن عبد الله ، إلاّ أننا لم نعثر على أيّ وثيقة يُدكرُ فيها أسماءُ بنات لعبد الله الكامل، أو عن تاريخ زواجه الثاني؛ فبكل تحفظ نحدد أخيراً مولد سليمان بن عبد الله الكامل بين 110 هجرية/738م و 115هجرية/ 743م
أما سنة وفاته، فهي حسب عبد الرحمان الجيلالي 200هجرية/814 م [10]
ذكر حياته سليمان بن عبد الله في بيئة آل البيت.
نشأ سليمان بن عبد الله في أُسرةٍ من عُليَةِ القوم,، جمعت بين العلم, و الأدب، و الوجاهة، و الكفاية في الرزق، إذ كانت عشيرته تُمَدُّ العطاء أو تُمنَعُ منه حسب الأوضاع السياسية الظرفية، و علاقات ناظوراتها مع الخلفاء و الوُلاة. كان ينتمي سليمان زمنياً إلى العصرين الأموي و العباسي الأول. كان صِباهُ على ما يبدو في عهد هشام بن عبد المالك(105 هـ125/ 724 ـ 744 م)؛ و كان شبابه في عهد المر وانيين(125 هـ132ه/744ـ 749م ) الذي ساءت الأحوال بينهم و اضطربت. و دخل سليمانُ مُعتَرَكَ الحياة في عهد أبي العباس السفاح (132هـ136ه/749ـ754 )
ورغم تدهور الأوضاع السياسية و الاجتماعية إلاّ أن الحالة الاقتصادية لم تزل مزدهرة نظراً لكثرة الغنائم المأخوذة إثر الحروب، و الفَيءِ أو الخراج المضروب على بعض الشعوب التي شرحت صدرَها للإسلام، و شاركت في الفتوحات. و أما وضعية العِلم، فانفجرت بعد احتكاك العرب بالروم، و الفرس، و الهند، و غيرهم. فحتى، و لو لم تبقَ المدينة المنورة قاعدةً للبلاد الإسلامية بعد نقل الخلافة إلى دمشق، ثم بغداد، فإنها موئل الصحابة و العلماء، فضلا عن التابعين وتابعي التابعين و لم تزل عاصمةً علمية حيثُ أنها مهدَ الحديث و الأثر الذي كان يرويه آل البيت، كما كانت قلعة أصحاب القراءات، و العلماء المتحدّثين، و علماء الأصول و الأدباء، و الشعراء. فكانت مقصدَ طُلاّب العلم النافدين من كل صَوْب و نحب.
فتح سليمان عينيه في هذه البيئة الغزيرة بالعلوم، و على ما كان يَتَمَخَّضُ في زمانه من آراء مختلفة للمتكلمين و أصحاب الفرق من الخوارج و الشيعة. فزوّد ثقافته من هذا المحيط المُفعَم بالنقباء، و العلماء، و الأدباء، من أسرة أبيه، و من أسرة أمه ( عائكة المخزومية)، المشهود لهم بالتقوى، و العلم، و الإيمان، و الأدب، أمثال أبيه عبد الله، و جده الحسن المثنى، و أقربائه الأقربين من بني الحسن و الحسين، أمثال علي زين العابدين، و أبنائه محمد الباقر، و زيد، و جعفر الصادق، و غيرهم.
الدعوة لإمامة إخوته، و استقرار سليمان بتلمسان و عين الحوت:
بعث محمداً النفس الزكية أخويه سليمان و يحيى إلى نصرته 139ه/757م، و ذلك قبل خروجه ضد الخليفة العباسي أبي جعفر المنصور سنة 144ه/762م.
في شأن بعثة سليمان و يحيى ابني عبد الله الكامل لدعوة العلوية تتضارب الأخبار. فبينما يقول صاحب القرطاس[11] أن محمداً النفس الزكية أرسل أخاه سليمان إلى مصر ، يناقضه محمود إسماعيل [12] أنه بعثه إلى بلاد المغرب اعتماداً على ابن أبي زرع( ص16). فنزل سليمان بعد رحلة طويلة عبر مصر و بلاد النوبة و السودان و بلاد الزاب. ثم يستطرد قائلاً: و يبدو أن الخوف من عيون العباسيين كان من وراء تَحاشي سليمان اتخاذ الطريق الساحلي من برقة إلى تلمسان، علماً بأن العربَ أنشئوا البريد منذُ سنة 30ه/650م، و أحكموا هدا النظام التجسسي الذي بلغ نجا عته في عهد العباسيين، حيث كان نشاطه ذا فعالية بالغة [13].
نزل سليمان بتلمسان، ثم لحقه إليها أخوه إدريس، في عهد الخليفة أبي العباس السفاح[14] الذي كان ينافسه آنذاك محمد بن عبد الله على الخلافة؛ و يبدو أن الخلاف تفاقم بعد إلحاح العلويين على طلب الإمامة، و كانوا يرونها من حقهم. فكان ردُّ العباسيين عنيفاً لإبعاد أحفاد علي عنها؛ و قد استعملوا كل الوسائل من قتل، و سجن، و إبادة، ونفي، و تشريد، و إذلال، حتى فيمن أطاع[15]. و على إثر هذه المعاملات الشنيعة المدنسة، ثار محمد بعد قتل أبيه عبد الله الكامل سنة 144ه/756م على رأس العلويين، و أهل المدينة المنورة الذي استحصن فيها مع أنصاره، تشجيعاً من إمامنا مالك رضي الله عنه. صمد محمد بن عبد الله إلى أن زكى أنصاره بعد إحراق سجلات قوائم أسمائهم قبل قتله، و قتل الكثير من ذويه، و أصحابه، فتفرقوا أيدي سبأ، ولاذوا إلى أطراف الدولة. .
لم يحضر سليمان ثورة أخيه محمد بالمدينة المنورة، فواصل الدعوة بعد موت أخيه النفس الزكية سنة 145ه/757م لصالح أخيه يحيى الذي أسس دولة بالديـلم, فخادعه الخليفة هارون الرشيد، ثم قضى عليه في السجن شهرين بعد ما آمانه على حياته.
و في رواية لحشلاف[16] أرسل محمد النفس الزكية أخاه سليمان إلى مصر؛ فلما اتصل به خبر وفاة النفس الزكية فرّ إلى بلاد النوبة، و منها إلى السودان؛ ثم رجع لزاب إفريقية، ثم ارتحل لتاقدمت و أقام بها أياماً. ثم انتقل لتلمسان و استوطنها في خلافة مولانا إدريس و تزوج بها، فولد له عشرة أولاد… إذن، اتخذ سليمان زؤجة في تلمسان، و أنجبت له زوجته الأمازيغية، و لم يذكر اسمها، على أن كل الاحتمالات توحي أنها من قبيلة بني خزر المغراوية التي اعتنقت الإسلام منذ أكثر من قرن، عندما ذهب شيخها صَوْلات بن وازمّار عند عثمان رضي الله عنه، فولاَّه على قومه و وطنه.[17]
من جهة أخرى يلاحظ بعض المؤرخين أن أول من نزل تلمسان هو محمد بن سليمان[18]، مع انعدام أي دليل يشير إلى أن سليمان أو إدريس كان لهما أزواجاً، أو تركا أعقاباً في الحجاز. و الراجح أن والدة محمد كانت بربرية، و أن محمداً نشأ بتلمسان و ترعرع فيها بين أحضان أخواله من بني خزر الذين خلصوا المغرب الأوسط و تلمسان من عنف الخوارج الصفرية، و من إمامهم أبي قُرَّة اليفريني سنة 162هجرية/776م.
بسم الله الرحمن الرحيم
وصلى الله على سيدنا وسندنا ومولانا محمد
وعلى آله وصحبه وسلم
يا فتّاح؛ يا عليم ؛ يا نور؛ يا هادي؛ يا حقّ؛ يا مبين ؛
افتح لي فتحاً تُنوّر به قلبي وتشرح به صدري ؛
واهدني إلى طريق ترضاه وبيّن لي أمري
اللّهمّ
اجعل ما أشاء موافقا لما تشاءُ ؛
كَيْ لا يصير ما أشاء مخالفًا لما تشاء
فمن أنا حتّى أشاء خِلافَ ما اللهُ يشاء
لو جاهد العبد وشاء،
ما كان إلاّ ما تشاء
فالطف بنا فيما تشاء
وما تشاؤون إلاّ أن يشاء الله ربّ العالمين
وبعد
فما يزال موضوع الزّوايا محلّ اهتمام العلماء والباحثين لما قدّمته من أعمال خيرية ووظائف علميّة وتربويّة وإصلاحيّة للمجتمع الإسلامي طُرًّا
فسنحاول من خلال هذه المداخلة القصيرة والمتواضعة أن نميط اللّثام عن بعض الجوانب منها
والزوايا جمعُ زاوية، واللفظ من حيث الاشتقاق مأخوذ إمّا من الانزواء، بمعنى الانقباض، لانقباضهم عن النّاس؛ أو من زاوية البيت، أي الناحية، لميلهم إلى البعد عن الناس والخفاء. ولقد كانوا، في زمن التابعين يسمّون العبّاد، وهم منسوبون على أرجح الأقوال إلى أهل الصفّة، الذين كانوا في عهد الرسول- صلّى الله عليه وسلّم-، قصروا أنفسهم على الطاعات ولا يرجعون إلى أهلٍ أو مال, فهم كما قيل : ضيوف الله والإسلام
قال التقي المقريزي في الخطط : ولاتخاذ الرُّبط والزوايا أصل من السنّة وهو أن النّبيّ-صلّى الله عليه وسلّم- اتّخذ لفقراء الصحابة الذين لا يأوون إلى أهل ولا مال مكاناً من مسجده كانوا يقيمون به عرفوا بأهل الصّفة
وعرّفها القاضي عياض بقوله: والصّفّة، بضم الصاد وتشديد الفاء، ضلّة في مؤخّر مسجد رسول الله-صلى الله عليه وسلّم- يأوى إليها المساكين وإليها ينسب أهل الصفة على أشهر الأقاويل؛ وكان الراتبون بها نحو الأربعمائة رجل منهم أبو هريرة وابن أمّ مكتوم وصهيب وسلمان وخباب وبلال وغيرهم
وكان رسول الله-صلى الله عليه وسلم- فيما رواه البخاري، إذا أتته الصدقة بعث إليهم-أهل الصفة- بها ولم يتناول منها شيئا، وإذا أتته هدية أرسل إليهم وأصاب منها وأشركهم فيها
وأخرج أبو نعيم في الحلية من طريق أبي هريرة: كنت من أهل الصفة وكنّا إذا أمسينا حضَرَنا رسول الله-صلى الله عليه وسلّم- فيأمر كلّ رجل فينصرف برجلين أو أكثر فيبقى من بقِيَ عشرة أو أكثر أو أقلّ فيؤتي النبي-صلّى الله عليه وسلّم- بعَشائه فيتعشّى معهم، فإذا فرغنا قال: ناموا في المسجد
وذكر ابن سعد- في الطبقات ج3ص71- أنّ القرّاء، في زمن الرسول-صلى الله عليه وسلّم- كانوا يقرؤون القرآن ويتدارسون بالليل، وكانوا بالنّهار يجيئونبالماء فيضعونه في المسجد ويحتطبون فيبيعونه ويشترون به الطعام لأهل الصفة والفقراء
ولقد نزل في حقّهم قرءان يتلى، فنزل في حقّ ابن أمّ مكتوم قوله سبحانه (عبس وتولّى أن جاءه الأعمى) وقال جلال الدين السيوطي في تكملته لتفسير جلال الدين المحلّي في قوله سبحانه (الذين أُحصِروا في سبيل الله) أنّها نزلت في أهل الصفة. ومعنى الذين أحصروا في سبيل الله أي حبسوا أنفسهم على الجهاد؛ وفي قوله (لا يستطيعون ضربًا في الارض) أي للتجارة والمعاش لشغلهم بالجهاد
ولقد ثبت أنّ الصوفيّة الكرام، هم الذين ورثوا أهل الصفة في الجلوس في المساجد والزوايا والربط
قال الأستاذ أبو عثمان سعيد بن ليون التجيبي في رسالته الإنالة العلمية: إنّ الفقراء المتجرّدين من الصّوفيّة هم الذين ورثوا أهل الصفة في الجلوس في المساجد والربط والتّجرّد وقلّة التّسبّب والناس ينكرون على الفقراء هذه الصفة، وهي السنة، لأنّ