بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله
والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وعلى آله وصحبه
ومن اهتدى بهداه
الرابطة الرحمانية للزوايا العلمية
مؤسسة الزاوية القاسمية الهامل
جمادى الأولى 1429هـ مايــو 2008م ّ
ومساهمتها في العمل الإسلامي المنشود
بين يدي البحث:
الزوايا التي نعنيها بحديثنا؛ وهي موطن رسالتنا وموضوع اهتمامنا، هي الزوايا الأصيلة، التي أسّست على التقوى، من أوّل يوم، لإقامة دين الله، وتعليم كتابه، ونشر دعوته، وإصلاح النفوس بهدايته.
الزوايا التي نعنيها: سندها الرّوحي متصّل بالطريقة الصوفية، وإجازتها العلمية من الشيوخ المشهود لهم بالمرجعية؛ ولايتصدّر لعمارتها إلاّ من تطهّر وتدثّر بالتقوى والعلم، وطهارة القلب والضمير، ونظافة اليد واللّسان، وكانت هجرته لله، رجاء ثواب الله.
فالزّوايا بيوت القرآن، رسالتها ربانية، عمادها العلم والمعرفة؛ ونهجها سلوك الطريق، باستقامة واعتدال، بعيدا عن سبيل الانحراف والضلال. يعمرها الصالحون من رجالها، المؤهلون لرسالتها، يبتغون فضلا من الله ورضوانا.
أما التي سمّت نفسها زاوية، منتحلة صفتها؛ ولاهمّ لها إلاّ الحياة الدنيا ومتاعها؛ أو التي انحرفت عن سبيلها، ولا أثر للصلاح في أعمالها، فلا نعدّها منها، ونتبرّأ من حالها، ومن ممارسات المبطلين فيها.
الزوايا، في تقديرنا، هي هذه المؤسسة الحضارية التي تعدّ قلاعا حصينة للإسلام، ومعاهد تليدة لعلوم شريعته؛ حفظت لأمتنا قيمها الروحية والوطنية؛ وحمت شعبنا من مخاطر التنصير والتّغريب ، وحصّنت الأجيال من عوامل المسخ والذوبان، ووقفت سدّا منيعا في وجه مخطّطات الاحتلال.
إنّ هذه المعاقل الحضارية هي التي تخرّج منها العلماء والفقهاء والدعاة؛ فمثّلوا في المجتمع قيم الإسلام ومبادئه، في شموله وتوازنه، وفي وسطيته وسماحة دعوته؛ وذادوا عن عقيدة الأمّة؛ ونافحوا عن قيمها وأخلاقها الإسلامية؛ وانطلق منها قادة الجهاد وطلائع المجاهدين؛ فقادوا المقاومة، وخاضوا معارك الجهاد، من عهد الأمير، إلى ثورة التحرير. جعلوا غايتهم تطهير الأرض من دنس المحتلّين؛ وبذلوا مايملكون في سبيل الله، إعلاء لكلمة الله.
رسالة الزوايا حضارية، ودعوتها شاملة شمولية دعوة الاسلام؛
إنّ رسالة الزوايا، كما يتّضح لكل دارس نزيه، رسالة شاملة شمولية هذا الدين. إنها رسالة حضارية، ارتبط بها تاريخ الجزائر العلمي والثقافي، وتاريخها الوطنيّ الجهاديّ، ارتباطا وثيقا. فلم يقتصر دورها على التربية والتعليم؛ بل كانت وظائفها أشمل، وأعمالها أعمّ وأوسع. فهي معقل تربية وجهاد، ومعهد علم وعمل، وموطن تلاوة وذكر، ومجلس إصلاح وقضاء، ومكان رأي ومشورة، وملتقى تعاون وتكافل. ومن أهمّ مجالات رسالتها لقاءات المؤمنين في رحابها، وقد تآلفت أرواحهم، والتفّت حولها قلوبهم، في تراحم وتآزر، وتعاطف وتضامن، إخوانا في الله متحابّين، متماسكين تماسكهم في الصلاة، في بيوت الله؛ يجدون في ساحتها السكينة والطمأنينة؛ ويسمعون من منبرها الموعظة الحسنة، والكلمة الهادية. وكم دخلها أناس متخاصمين متنازعين، فخرجوا منها متصالحين متسامحين.!
لقد ارتبطت قلوب الجزائريين بالزوايا، وتآلفت بدعوتها أرواحهم، وصارت جزءا من وجدانهم. فعلى الرغم من الضغوط الممارسة عليها، والعوامل المناوئة لرسالتها، مازالت تحتلّ مكانة متميّزة في نفوس الجماهير المؤمنة، وتحظى بثقتهم. يحتكمون إليها؛ ويطمئنون لرأبها، ويستجيبون لدعوتها؛ لأنهم لايجدون في رحابها إلاّ صلاحا وفلاحا، ومثابة وأمنا. تصلح فساد القلوب، وتزيل الضّغائن من النفوس؛ وتطفئ نار الفتن والخصومات؛ وتحكم روابط الألفة والأخوّة بين الناس. وتساهم في إصلاح أحوال الأمّة، وجمع كلمتها، وتعزيز وحدتها وتلاحمها.
ومع أهمية هذه الرسالة في حياة الأمّة؛ مازال البعض يقلّل من شأنها، ويحاول النيل من مصداقيتها، ولا يقيم وزنا لأبعادها، ولا لدورها في حفظ كيان الأمة وضمان تماسكها، وتعزيز وحدتها الجامعة.
ولاشكّ أنّ هذه المنارات القرآنية، مثلما يؤجر من شيّدها، وساهم في عمارتها؛ كذالك يأثم من لايرعى حرمتها، أو يسعى لإطفاء نورها، أو تحريف مقاصدها.
حضرات السادة والسيدات؛
لقد عمل البعض لإنهاء دور الزوايا، بتعطيل التعليم الشرعي فيها؛ وحاولوا عزلها عن محيطها الاجتماعي، وعمقها الشعبي؛ وسعوا للقضاء على عناصر وجودها ومواردها، بمصادرة أوقافها. والنتيجة عشناها؛ ومازلنا نعيش آثارها السيئة: الفراغ الروحيّ، والاغتراب الثقافيّ، والغلوّ في الدين، وسوء الفهم للإسلام ومقاصد شريعته السمحة، وطغيان الحياة الماديّة، وانحسار القيم والأخلاق الإسلاميّة. فعرفت طائفة من شباب الأمّة ظاهرة الغلوّ والتشدّد وتجاوز الاعتدال؛ وأصيبت أخرى بآفة الانغلاق الفكريّ المفضي إلى الجمود؛ وزعم البعض أنّهم يصدرون عن العقيدة السلفية، وهم في الواقع يتّبعون منهجا لم يصدّر فكره للأمة سوى جفاف الأرواح، واختلاف القلوب، فضلا عن تزهيد طائفة من المسلمين في قدوتهم، وحجبهم عن مصادر النور كيلا ينفذ إلى قلوبهم.
وفي المقابل، راح البعض يعمل، بدون وعي وسوء تقدير،لإشاعة وسائل اللهو واللعب؛ بعنوان ترفيه الشباب وملء فراغه، وكانت في الواقع وسائل إلى حياة السّلبية والانحلال، وطريقا إلى عالم المجون والمخدّرات؛ فكان حال هؤلاء كالمستجير من الرمضاء بالنار؛ وشر البليّة عمى بعد البصيرة، وضلال بعد الهدى!
وهكذا؛ في ظل الفراغ الروحي، والانحطاط الثقافي؛ وفي غياب مؤسّسات تربوية وروحية تهدي الأفكار الضالة، وترشّد العقول التائهة؛ تسللت إلى مجتمعنا آيادي الهدم، وتيارات التفرقة، فانحرف مجتمعنا عن طريق الرشاد، وحرم كثير من أبنائه الرؤية الصحيحة؛ و مرضت القلوب، وجفّت ينابيع الخير في النفوس؛ وأصبح البعض إلههم هواهم، وشريعتهم شهواتهم؛ وانتشرت روح اللامبالاة والسلبية، وسادت الأنانية والنزعة الفردية؛ وزادت العناية بمظاهر الترف والعادات الاستهلاكية؛ وزهد كثير من الشباب في حياة الجد والعمل والإنتاج؛ وراحوا يجرون وراء الربح السهل والكسب السريع، بالوسائل المشروعة وغير المشروعة؛ وتلوثت الأيدي والضمائر، وفسدت الذمم؛ وكان ماكان من أمرنا، في هذا الواقع السيّء الذي عشناه في وطننا.وكذالك يكون الحال، عندما يعمّ الفراغ،فينتشر الجهل ويسود؛ والجهل ساحته ظلام، وعالمه انحراف وضلال!
من أجل تفعيل دور الزوايا ومساهمتها في بناء الحياة الإسلامية المتوازنة، والشخصية الاسلامية السوية المتكاملة.
إذا كانت الزوايا قد أدّت رسالتها في الماضي ، بالوسائل المتاحة، وحسب الظروف والأوضاع والإمكانات،فإنّ المطلوب منها اليوم، أكثر من أي وقت مضى، أن تنهض برسالتها، على أحسن وجه مستطاع. ولهذه الغاية كانت جهودنا متواصلة، منذ سنوات، من أجل تفعيل دور الزوايا، لتستمرّ في الدعوة إلى سبيل الله، على منهج الله، وتواصل أداء رسالتها في هداية الناس وإصلاح نفوسهم ، وتوجيههم إلى مافيه صلاحهم في الدنيا والآخرة.
إنّ التربية الروحية من أهمّ شعب رسالة الزوايا، لأنّ هذه التربية الايمانية هي التي تغذّي مشاعر الأخوة والمحبّة والرحمة، وترسخ قيم التعاون والتضامن والتكافل. التربية الروحية هي التي تجعل المؤمن يحرص على كمال عبادته، ليزداد قربا من الله، ويحظى بمحبّته، ويفوز برضوانه. وكمال العبادة وصدقها تتجلّى ثمارها في حسن الأخلاق، وفي السلوك الفرديّ والجماعي واتّزان القيم والموازين. فالميزان الذي لايخطىء في معرفة صحّة العبادات وصدقها، هو ماتثمره في الحياة الخاصّة والعامة، من صفاء ورحمة وإحسان، وأخوّة وإيثار؛ ووضع مصلحة الأمة فوق كل اعتبار.
إنّ مجتمعنا أحوج مايكون إلى البعد الروحي، ليحقّق توازنه، ولتستقيم أحواله. وإنما تكفل هذه الحياة المتوازنة، تربية إيمانية متكاملة، من شانها تزكية النفوس، وعصمتها من الزلل؛ وتطهيرها من عصبيتها ورعونتها، وإبعادها عن أهوائها، حتىّ تفيض القلوب حبا لله عز وجلّ، وخشية منه، فيثمر هذا الحبّ لله حبا لعباد الله، وإشفاقا عليهم، وإحسانا إليهم؛ ويرقى العبد بمشاعره الإيمانية الى مقام الإحسان؛ فيعبد الله كأنه يراه؛ وتكون محبّته ملء كيانه، حتى لايحبّ مع الله سواه؛ ويجعل خشيته ملء شعوره، حتى يذوب من قلبه الخوف من كل ماسواه.
هكذا، تؤتي التربية الروحية ثمارها: محبه الله وخشيته، ومراقبته في السّرّ والعلن، مراقبة من يعلم أنّ على كل جارحة منه رقيبا وحسيبا، فيستعمل نفسه في طاعة مولاه؛ ويشغلها بتفقد عيوبه وإصلاحها، ويسعى في أسباب تزكيتها وفلاحها، مراقبة من يتذكّر أنّ مع الدنيا آخرة، وأنّ بعد الحياة موتا، وبعد الموت بعثا وحسابا.
ولهذا، تولي الزوايا التربية الروحية عناية خاصّة، باعتبارها الوسيلة المثلى للحياة الروحية الحقّة، تغرس في النفوس حبّ الخير وجبّ العمل؛ وتكفل للفرد والمجتمع معرفة الحقوق والواجبات، والالتزام بأداء الحقوق والواجبات. ومن ثمارها أنها تغسل قلوب الناس من جبّ الدنيا ومن أنانيتهم وحبّ أنفسهم؛ وتأخذ بأيديهم إلى الله،وتحررهم من العبودية للدنيا، ليعتصموا بالعبودية لله.
إنها الحياة الربانية التي توازن بين متطلبات الجسم ومتطلبات الروح؛ بل تتجاوز المادة إلى الروح والدنيا إلى الآخرة؛ وترتفع بالإنسان المخلوق إلى معرفة خالقه، وعبادته ومحبّته، وإيثاره على كل ماسواه، عن طريق تزكية النفس، ومجاهدتها في الله، حتى يهديها سبيله، وتنتصر على أهوائها وشهواتها الظاهرة والباطنة. فلا فلاح للنفوس بغير التزكية، كما قالى














