رسالة الزوايا ومساهمتها في العمل الإسلامي المنشود للشيخ المأمون القاسمي الحسني

يوليو 29th, 2008 كتبها محمد فتحي نشر في , إسلاميات, تصوفا, زوايا

بسم الله الرحمن الرحيم                             الحمد لله

والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وعلى آله وصحبه

ومن اهتدى بهداه

 
الرابطة الرحمانية للزوايا العلمية     

     مؤسسة الزاوية القاسمية   الهامل         

الرئيس

خادم العلم الشريف في المقام القاسميّ

محمد المأمون مصطفى القاسمي الحسني

جمادى الأولى 1429هـ مايــو    2008م   ّ

رسالة الزوايا

 ومساهمتها في العمل الإسلامي المنشود


 بين يدي البحث:    

  الزوايا التي نعنيها بحديثنا؛ وهي موطن رسالتنا وموضوع اهتمامنا، هي الزوايا الأصيلة، التي أسّست على التقوى، من أوّل يوم، لإقامة دين الله، وتعليم كتابه، ونشر دعوته، وإصلاح النفوس بهدايته.

 الزوايا التي نعنيها: سندها الرّوحي متصّل بالطريقة الصوفية، وإجازتها العلمية من الشيوخ المشهود لهم بالمرجعية؛ ولايتصدّر لعمارتها إلاّ من تطهّر وتدثّر بالتقوى والعلم، وطهارة القلب والضمير، ونظافة اليد واللّسان، وكانت هجرته لله، رجاء ثواب الله.

فالزّوايا بيوت القرآن، رسالتها ربانية، عمادها العلم والمعرفة؛ ونهجها سلوك الطريق، باستقامة واعتدال، بعيدا عن سبيل الانحراف والضلال. يعمرها الصالحون من رجالها، المؤهلون لرسالتها، يبتغون فضلا من الله ورضوانا.

 أما التي سمّت نفسها زاوية، منتحلة صفتها؛ ولاهمّ لها إلاّ الحياة الدنيا ومتاعها؛ أو التي انحرفت عن سبيلها، ولا أثر للصلاح في أعمالها، فلا نعدّها منها، ونتبرّأ من حالها، ومن ممارسات المبطلين فيها.

الزوايا، في تقديرنا، هي هذه المؤسسة الحضارية التي تعدّ قلاعا حصينة للإسلام، ومعاهد تليدة لعلوم شريعته؛ حفظت لأمتنا قيمها الروحية والوطنية؛ وحمت شعبنا من مخاطر التنصير والتّغريب ، وحصّنت الأجيال من عوامل المسخ والذوبان، ووقفت سدّا منيعا في وجه مخطّطات الاحتلال.

 إنّ هذه المعاقل الحضارية هي التي تخرّج منها العلماء والفقهاء والدعاة؛ فمثّلوا في المجتمع قيم الإسلام ومبادئه، في شموله وتوازنه، وفي وسطيته وسماحة دعوته؛ وذادوا عن عقيدة الأمّة؛ ونافحوا عن قيمها وأخلاقها الإسلامية؛ وانطلق منها قادة الجهاد وطلائع المجاهدين؛ فقادوا المقاومة، وخاضوا معارك الجهاد، من عهد الأمير، إلى ثورة التحرير. جعلوا غايتهم تطهير الأرض من دنس المحتلّين؛ وبذلوا مايملكون في سبيل الله، إعلاء لكلمة الله.

رسالة الزوايا حضارية، ودعوتها شاملة شمولية دعوة الاسلام؛

 إنّ رسالة الزوايا، كما يتّضح لكل دارس نزيه، رسالة شاملة شمولية هذا الدين. إنها رسالة حضارية، ارتبط  بها تاريخ الجزائر العلمي والثقافي، وتاريخها الوطنيّ الجهاديّ، ارتباطا وثيقا. فلم يقتصر دورها على التربية والتعليم؛ بل كانت وظائفها أشمل، وأعمالها أعمّ وأوسع. فهي معقل تربية وجهاد، ومعهد علم وعمل، وموطن تلاوة وذكر، ومجلس إصلاح وقضاء، ومكان رأي ومشورة، وملتقى تعاون وتكافل. ومن أهمّ مجالات رسالتها لقاءات المؤمنين في رحابها، وقد تآلفت أرواحهم، والتفّت حولها قلوبهم، في تراحم وتآزر، وتعاطف وتضامن، إخوانا في الله متحابّين، متماسكين تماسكهم في الصلاة، في بيوت الله؛ يجدون في ساحتها السكينة والطمأنينة؛ ويسمعون من منبرها الموعظة الحسنة، والكلمة الهادية. وكم دخلها أناس متخاصمين متنازعين، فخرجوا منها متصالحين متسامحين.!

لقد ارتبطت قلوب الجزائريين بالزوايا، وتآلفت بدعوتها أرواحهم، وصارت جزءا من وجدانهم. فعلى الرغم من الضغوط الممارسة عليها، والعوامل المناوئة لرسالتها، مازالت تحتلّ مكانة متميّزة في نفوس الجماهير المؤمنة، وتحظى بثقتهم. يحتكمون إليها؛ ويطمئنون لرأبها، ويستجيبون لدعوتها؛ لأنهم لايجدون في رحابها إلاّ صلاحا وفلاحا، ومثابة وأمنا. تصلح فساد القلوب، وتزيل الضّغائن من النفوس؛ وتطفئ نار الفتن والخصومات؛ وتحكم روابط الألفة والأخوّة بين الناس.  وتساهم في إصلاح أحوال الأمّة، وجمع كلمتها، وتعزيز وحدتها وتلاحمها.

 ومع أهمية هذه الرسالة في حياة الأمّة؛ مازال البعض يقلّل من شأنها، ويحاول النيل من مصداقيتها، ولا يقيم وزنا لأبعادها، ولا لدورها في حفظ كيان الأمة وضمان تماسكها، وتعزيز وحدتها الجامعة.

   ولاشكّ أنّ هذه المنارات القرآنية، مثلما يؤجر من شيّدها، وساهم في عمارتها؛ كذالك يأثم من لايرعى حرمتها، أو يسعى لإطفاء نورها، أو تحريف مقاصدها.

حضرات السادة والسيدات؛

لقد عمل البعض لإنهاء دور الزوايا، بتعطيل التعليم الشرعي فيها؛ وحاولوا عزلها عن محيطها الاجتماعي، وعمقها الشعبي؛ وسعوا للقضاء على عناصر وجودها ومواردها، بمصادرة أوقافها. والنتيجة عشناها؛ ومازلنا نعيش آثارها السيئة: الفراغ الروحيّ، والاغتراب الثقافيّ، والغلوّ في الدين، وسوء الفهم للإسلام ومقاصد شريعته السمحة، وطغيان الحياة الماديّة، وانحسار القيم والأخلاق الإسلاميّة. فعرفت طائفة من شباب الأمّة ظاهرة الغلوّ والتشدّد وتجاوز الاعتدال؛ وأصيبت أخرى بآفة الانغلاق الفكريّ المفضي إلى الجمود؛ وزعم البعض أنّهم يصدرون عن العقيدة السلفية، وهم في الواقع يتّبعون منهجا لم يصدّر فكره للأمة سوى جفاف الأرواح، واختلاف القلوب، فضلا عن تزهيد طائفة من المسلمين في قدوتهم، وحجبهم عن مصادر النور كيلا ينفذ إلى قلوبهم.

وفي المقابل، راح البعض يعمل، بدون وعي وسوء تقدير،لإشاعة وسائل اللهو واللعب؛ بعنوان ترفيه الشباب وملء فراغه، وكانت في الواقع وسائل إلى حياة السّلبية والانحلال، وطريقا إلى عالم المجون والمخدّرات؛ فكان حال هؤلاء  كالمستجير من الرمضاء بالنار؛ وشر البليّة عمى بعد البصيرة، وضلال بعد الهدى!

 وهكذا؛ في ظل الفراغ الروحي، والانحطاط الثقافي؛ وفي غياب مؤسّسات تربوية وروحية تهدي الأفكار الضالة، وترشّد العقول التائهة؛ تسللت إلى مجتمعنا آيادي الهدم، وتيارات التفرقة، فانحرف مجتمعنا عن طريق الرشاد، وحرم كثير من أبنائه الرؤية الصحيحة؛ و مرضت القلوب، وجفّت ينابيع الخير في النفوس؛ وأصبح البعض إلههم هواهم، وشريعتهم شهواتهم؛ وانتشرت روح اللامبالاة والسلبية، وسادت الأنانية والنزعة الفردية؛ وزادت العناية بمظاهر الترف والعادات الاستهلاكية؛ وزهد كثير من الشباب في حياة الجد والعمل والإنتاج؛ وراحوا يجرون وراء الربح السهل والكسب السريع، بالوسائل المشروعة وغير المشروعة؛ وتلوثت الأيدي والضمائر، وفسدت الذمم؛ وكان ماكان من أمرنا، في هذا الواقع السيّء الذي عشناه في وطننا.وكذالك يكون الحال، عندما يعمّ الفراغ،فينتشر الجهل ويسود؛ والجهل ساحته ظلام، وعالمه انحراف وضلال!

 من أجل تفعيل دور الزوايا ومساهمتها في بناء الحياة الإسلامية المتوازنة، والشخصية الاسلامية السوية المتكاملة.

إذا كانت الزوايا قد أدّت رسالتها في الماضي ، بالوسائل المتاحة، وحسب الظروف والأوضاع والإمكانات،فإنّ المطلوب منها اليوم، أكثر من أي وقت مضى، أن تنهض برسالتها، على أحسن وجه مستطاع. ولهذه الغاية كانت جهودنا متواصلة، منذ سنوات، من أجل تفعيل دور الزوايا، لتستمرّ في الدعوة إلى سبيل الله، على منهج الله، وتواصل أداء رسالتها في هداية الناس وإصلاح نفوسهم ، وتوجيههم إلى مافيه صلاحهم  في الدنيا والآخرة.

إنّ التربية الروحية من أهمّ شعب رسالة الزوايا، لأنّ هذه التربية الايمانية هي التي تغذّي مشاعر الأخوة والمحبّة والرحمة، وترسخ قيم التعاون والتضامن والتكافل. التربية الروحية هي التي تجعل المؤمن يحرص على كمال عبادته، ليزداد قربا من الله، ويحظى بمحبّته، ويفوز برضوانه. وكمال العبادة وصدقها تتجلّى ثمارها في حسن الأخلاق، وفي السلوك الفرديّ والجماعي واتّزان القيم والموازين. فالميزان الذي لايخطىء في معرفة صحّة العبادات وصدقها، هو ماتثمره في الحياة الخاصّة والعامة، من صفاء ورحمة وإحسان، وأخوّة وإيثار؛ ووضع مصلحة الأمة فوق كل اعتبار.

إنّ مجتمعنا أحوج مايكون إلى البعد الروحي، ليحقّق توازنه، ولتستقيم أحواله. وإنما تكفل هذه الحياة المتوازنة، تربية إيمانية متكاملة، من شانها تزكية النفوس، وعصمتها من الزلل؛ وتطهيرها من عصبيتها ورعونتها، وإبعادها عن أهوائها، حتىّ تفيض القلوب حبا لله عز وجلّ، وخشية منه، فيثمر هذا الحبّ لله حبا لعباد الله، وإشفاقا عليهم، وإحسانا إليهم؛ ويرقى العبد بمشاعره الإيمانية الى مقام الإحسان؛ فيعبد الله كأنه يراه؛ وتكون محبّته ملء كيانه، حتى لايحبّ مع الله سواه؛ ويجعل خشيته ملء شعوره، حتى يذوب من قلبه الخوف من كل ماسواه.

هكذا، تؤتي التربية الروحية ثمارها: محبه الله وخشيته، ومراقبته في السّرّ والعلن، مراقبة من يعلم أنّ على كل جارحة منه رقيبا وحسيبا، فيستعمل نفسه في طاعة مولاه؛ ويشغلها بتفقد عيوبه وإصلاحها، ويسعى في أسباب تزكيتها وفلاحها، مراقبة من يتذكّر أنّ مع الدنيا آخرة، وأنّ بعد الحياة موتا، وبعد الموت بعثا وحسابا.

ولهذا، تولي الزوايا التربية الروحية عناية خاصّة، باعتبارها الوسيلة المثلى للحياة الروحية الحقّة، تغرس في النفوس حبّ الخير وجبّ العمل؛ وتكفل للفرد والمجتمع معرفة الحقوق والواجبات، والالتزام بأداء الحقوق والواجبات. ومن ثمارها أنها تغسل قلوب الناس من جبّ الدنيا ومن أنانيتهم وحبّ أنفسهم؛ وتأخذ بأيديهم إلى الله،وتحررهم من العبودية للدنيا، ليعتصموا بالعبودية لله.

إنها الحياة الربانية التي توازن بين متطلبات الجسم ومتطلبات الروح؛ بل تتجاوز المادة إلى الروح والدنيا إلى الآخرة؛ وترتفع بالإنسان المخلوق إلى معرفة خالقه، وعبادته ومحبّته، وإيثاره على كل ماسواه، عن طريق تزكية النفس، ومجاهدتها في الله، حتى يهديها سبيله، وتنتصر على أهوائها وشهواتها الظاهرة والباطنة. فلا فلاح للنفوس بغير التزكية، كما قالى

المزيد


دور الزوايا في تحقيق الصحة النفسية للفرد والمجتمع للأستاذ د. فقيه العيد

سبتمبر 18th, 2008 كتبها محمد فتحي نشر في , إسلاميات, تصوفا, زوايا

 

التجربة الصّوفيّة كمصدر لبناء مفهوم

حول الصّحّة النّفسيّة

ودور الزوايا في الحفاظ على الصّحّة النّفسيّة

 للفرد والمجتمع

د. فقيه لعيد

جامعة أبي بكر بلقايد - تلمسان- الجزائر

 http://www.mediafire.com/?2yhndq3w2aj

 

   من بين الوظائف المتعددة التي تقوم بها الزاوية كمؤسسة وفقا لمرجعيّتها الصوفية الإسلامية، نجد الوظيفة التربوية الصحية التي تعتني بمساعدة الفرد وضبط سلوكه وتوجيهه وتقويمه في الحاضر بهدف تحقيق أفضل مستوى ممكن من الاستقامة كفرد صالح في المجتمع، يتحمل مسؤولياته ويعطي بقدر ما يأخذ، مستغلا طاقاته وإمكانياته إلى أقصى حد ممكن. وبذلك يهدف هذا الدور الذي تقوم به الزاوية إلى بناء الشخصية المتكاملة وإعداد الإنسان السليم نفسيا.

 

   ترى الزاوية أن الحديث عن الإنسان المريض نفسيا وما توحي به أعراضه مرده إلى طغيان المبادئ النفعية، وانتشار القيم الحسية بين أفراد المجتمع التي تهمّش كل ما هو إنساني وأخلاقي وروحي، وتتجه فقط إلى الاستمتاع الحسي العاجل المباشر دون أن تراعي مبادئ الحق والخير والجمال. فأصبح الإنسان في ظل ذلك لا يرى من حوله سوى الفوضى والتشتت، وصعوبة إشباع الحاجات و الرغبات الذي يضاعف الشعور بالاستلاب و الاغتراب النفسي والاجتماعي.  ولعل الدلالة التي تحملها مختلف الأعراض النفسية و العقلية ما هي في حقيقة الأمر إلا صرخة استغاثة لمن أصبح عاجزا عن تحديد هوية وجوده الفاعل نحو الآخرين. وما التجربة الصوفية التي تتبناها الزاوية إلا وسيلة لتنمية دوافع الهدى و السيطرة على دوافع الهوى، ولذلك أعطى مشايخ الزاوية على اختلاف طرقهم اهتماما كبيرا، لعمليات التعليم والتدريب والتوجيه أثناء عمليات السلوك الصوفي.

 

   تمتاز الزاوية بنوع خاص من المعرفة الصوفية الإسلامية لا نجد لها نظير في الأنواع الأخرى من الفكر الإنساني، فهي تجعل الجسد و الروح يتواكبان في كل متكامل لتجسيد الحقائق الروحية، وبذلك يشكل التصوف الإسلامي منهجا تربويا وأخلاقيا و اجتماعيا بتعاليمه يسمو الفرد ويطمئن، وبمبادئه ترتقي الجماعة وتسود الألفة بين الأفراد .

 

- فيا ترى هل ما تزخر به الزوايا الجزائرية بمثابة الإطار المرجعي النظري و التطبيقي يمكن من خلاله بناء قواعد متينة لتأسيس مفهوم حول الصحة النفسية ؟

 

وهل يمكن ترجمتها على أرضية الواقع إلى درجة أن المواطن العادي يستفيد من مظاهرها؟

 

- ألسنا بحاجة إلى الجمال و المحبة للحد من بشاعة الأشياء ولإيقاف البربرية المعاصرة ؟

 

   هذا ما يحاول البحث الحالي توضيحه من خلال التقرب إلى الزاوية الجزائرية كمؤسسة و استطلاع التراث الصوفي الإسلامي بها. فالدراسة الحالية تستهدف تحديد الإطار المعرفي العام لمفهوم الصحة النفسية ، ثم استخلاص مظاهر عامة مشتركة لها

 

أولا: مبادئ الصحة النفسية حسب التصور الصوفي الإسلامي

   يستند التصوف الإسلامي إلى القرآن الكريم و السنة النبوية كمصدرين أساسيين، باعتبارهما العقيدة والشريعة للدين الإسلامي. وقد كان لكلام الله أثره في دفع الشخصية المسلمة إلى التقرّب من الله بالعبادة والمجاهدة والاستقامة، ابتغاء وجه الله ومرضاته. كما كان للسيرة النبوية أثرها في حياة الصحابة، وشعلة أبدية في حياة المتصوفة، استصغروا الدنيا كما استصغرها صلى الله عليه وسلم، وناجوا ربهم كما ناجى ربه، وتطلعوا إلى حالة من الإشراق الروحي كما كان له صلى الله عليه وسلم. لقد كان لحديثه صلى الله عليه و سلم الوقع الكبير في نفوسهم، درسوها ظاهرا وباطنا، وحاولوا تطبيقها عمليا. يقول السهروردي (عوارف المعارف،1983،ص229) في هذا الشأن الصوفية أحيوا سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم لأنهم وقفوا في بداياتهم لرعاية أقواله، وفي وسط حالهم اقتدوا بأعماله فأثمر لهم ذلك إن تحققوا في نهايتهم بأخلاقه، وتحسين الأخلاق لا يأتي إلا بعد تزكية النفس، وطريق التزكية بالإذعان لسياسة الشرع.

   من هنا نلاحظ أن الإسلام يعتبر المصدر الرئيس للتصوف، ومع التقاء الإسلام بثقافات الشعوب التي أسلمت، تأثر بتلك الثقافات، فأكسبته عناصر جديدة ساهمت في تطوره وبلورته وتنوعه.

   النفس البشرية المذكورة في القرآن الكريم، ترتبط دوما بالإرادة الخيرة المتمثلة في تهذيب دوافع الإنسان الشريرة، على  هذا الأساس وضع الله تعالى الضوابط والمعايير للنفس البشرية. إن تحريك الهمة أو الإرادة، يهدف إلى التحكم في الدوافع على أساس الشعور الخُلقي القائم على طهارة القلب، وصفاء العقل، وسلامة السريرة التي تميز بين النافع والضار.

   لقد قامت الأخلاق الإسلامية لدى المتصوفة على أساس القرآن الكريم، والسنّة النبوية، اللذان يعكسان فطرة الإنسان في خدمة أخيه الإنسان، و استعداده للخير الفطري. من هنا نلاحظ أن الإسلام يعتبر المصدر الرئيس للتصوف، ومع التقاء الإسلام بثقافات الشعوب التي أسلمت، تأثر بتلك الثقافات، فأكسبته عناصر جديدة ساهمت في تطوره وبلورته وتنوعه. يرمي التصوف الإسلامي إلى تحقيق إنسانية الإنسان من خلال الأعمال الصالحة والأخلاق الحسنة التي يدعو إليها الدين الإسلامي الحنيف، والتي تنسجم مع واقع الإنسانية بفطرتها و طبيعة خصائصها. إن الأخلاق الإسلامية تعكس مكنون وأسرار الشخصية، سواء ما يتعلق بالناحية الجسمية، أو العقلية، أو النفسية والروحية. بما أن الأخلاق الإسلامية تمثل السمات التي تطبع سلوكات المتصوفة، فإن تهذيب الحاجات الإنسانية الروحية والمادية، وإفراغها في قالب المثالية الواقعية، تمثل الطريقة والمنهج الحياتي التي تقوم عليه.

   مما سبق ذكره يتضح جليا أن الصحة النفسية حسب التصوف الإسلامي، تقوم على الأسس الأخلاقية. وبما أن الإسلام أرسى قاعدة الكليات الأخلاقية، الذي تنطلق منه الأفكار و الممارسات السلوكية كالإيمان والتوحيد والتقوى والإحسان وغيرها، فإن أهل التصوف حاولوا أن يعيشوها ويتذوقوها ويتمتعون بفوائدها، من خلال التجربة الصوفية التي تقتضي البلوغ، والحرية، والنيّة. إنها عبارة عن شروط تعبر عن النضج العضوي والاكتمال البيولوجي، والتّمتع بالحرية و الوعي التام بالفكرة، وصدق التوجه. ولذلك يستند التصوف الإسلامي في تحقيق أهدافه على التربية كممارسة فعلية للمجاهدة، و الرياضة النفسية، والتدريب، والتعليم. وهكذا تصبح الشخصية الصوفية تتميز بسمات و خصائص روحية و فكرية و أخلاقية تعبر عن قيم عملية تتجلى في مختلف المقامات كما يؤكد ذلك سفيان بن عيينة (عوارف المعارف،1983،ص29) أجهل الناس من ترك العمل بما يعلم ، و أعلم الناس من عمل بما علم، و أفضل الناس أخشعهم لله تعالى. على هذا الأساس أهتم التصوف بالعوامل النفسية التي تختلج في نفس الإنسان، و يؤكد لنا ذلك السهروردي (عوارف المعارف،1983،ص34) حينما يقول: علم النفس ومعرفتها من أعز علوم القوم، و أقوم الناس بطريق المقربين و الصوفية أقومهم بمعرفة النفس، وعلم معرفة أقسام الدنيا، ووجود دقائق الهوى و خفايا شهوات النفس و شرهها و شرها، وعلم الضرورة و مطالبة النفس بالوقوف على الضرورة قولا وفعلا ولبسا وخلعا وأكلا ونوما. من خلال هذا التعريف لعلم النفس نستنتج أن التصوف الإسلامي لا يركز فقط في تعاليمه على تنظيم السلوك الظاهري للفرد، و إنما ينفذ إلى أعماق الإنسان الروحية ليوازن بين المحتوى الداخلي للنفس البشرية، وما يرسمه من سلوك خارجي ينسجم ويتوافق مع مكونات الإنسان.     

   لقد تناول التصوف الإسلامي النفس البشرية بنظرة شمولية واضحة، تعترف بالواقع الإنساني كما هو، من حيث القوى التي تتجاذبه، فهو يؤيد و يقرر التلاحم الضروري بين الحياة و الموت.

   إن سلامة الشخصية وصلاحها لا يرتبط بإرضاء الرغبات والغرائز، فليست الصحة النفسية مرادفة لتحقيق اللذة والشهوة، لأن ملذات الحياة أمور شخصية، وقد تتعلق بأمور لا نفع فيها      ولا جدوى، بل فيها الضرر الكبير، وأنها خاضعة لمجرد الرغبة من غير تقدير عقلي. الرغبات الحسية في أكثر أحولها تدفع إلى اضطراب الشخصية إذا سيطرت على نفسية الإنسان، وأصبحت همه وهاجسه الوحيد. وإذا كان إرضاء الرغبات والغرائز في موقع الرفض من المنظور الصوفي الإسلامي، فإنما ذلك يكون إذا تحكمت في العقول، وسيطرت على النفس. أما إذا وُجهت هذه الغرائز نحو تلبية حاجات النفس، و خاضعة لمنطق العقل وليست هدفا و غاية ينشدها الإنسان في هذه الحياة، ساهمت مساهمة فعالة في توازن الشخصية، وزادت من قوتها. 

   إن التصوف الإسلامي الأخلاقي لم يمنع إرضاء الرغبات، وتلبية الحاجات، بل قام بتنظيمها وفقا لمبادئ الشرع و العقل معا، وما يوجبه ضبط النفس. ولذلك قال الرسول صلى الله عليه وسلم: لا يؤمن أحدكم، حتى يكون هواه تبعا لما جئت به، أي تكون منظمة وفقا لأحكام العقل أو الضمير الإنساني، أي تتفق مع قوى الإرادة الإنسانية. هذا الحديث يقودنا إلى احترام الشخصية الإنسانية بحكم أن الصحة النفسية لا تكون إلا مع الحرية والضبط الذاتي.

   بما أن علم الصحة النفسية يجمع بين العلوم التقريرية والعلوم المعيارية، فإن مجال دراسة سلوكات الإنسان كما يجب أن تكون، لكي تتلاءم مع المصلحة الإنسانية وتحقيق السعادة التي هي غاية الإنسان، تمثل نواة التصوف الإسلامي، وبالتالي إنها تتفق إلى حد بعيد مع الهدف الذي تصبوا الصحة النفسية لتحقيقه.

  على ضوء ما سبق ذكره نجد أن الشق الأخلاقي من التصوف الإسلامي، يشترك في كثير من أهدافه مع الصحة النفسية وإن يختلفا في بعض وسائل تحقيق نفس الهدف، الذي يتمثل في بناء الشخصية المتكاملة بطريقة يشعر فيها بالسعادة والصحة والتوافق النفسي. الغاية القصوى التي يسعى إلى تحقيقها التصوف الإسلامي، تكمن في تغيير سلوك الإنسانية من أدرانها الفاسدة، حتى تشعر بالسعادة التي هي غاية الإنسان. إن الكثير من الاضطرابات النفسية التي يعاني منها الفرد، تعد نتيجة حتمية لضغوط العصر، وانعدام الوعي الأخلاقي، فأصبح الفرد عرضة للكثير من الضغوط الثقيلة التي تؤرقه، وتسبب له الكثير من الإزعاج وعدم الارتياح، وفقدان الأمن والاستقرار في ظل الرفاهية المادية، والتطور المدهش للتكنولوجيا الحديثة.


   إن اختلاف السلوكات الإنسانية من فرد إلى آخر، و من مجموعة إلى أخرى، و من مجتمع إلى آخر، سببا من أسباب الاختلاف في الرؤى والمنهج والأسلوب. ولا يكون السلوك شاذا إلا إذا هبط هؤلاء الأفراد إلى درجة الحيوانية وأطلقوا العنان لغرائزهم، فيصبح همّ كل واحد منهم تلبية رغباته ونزواته ولو على حساب الآخرين، حينها تصطدم رغباته مع رغبات الآخر الذي استجاب هو الآخر لنزواته، وكل يحب لنفسه الاستيلاء على أكبر قدر من المطالب والوصول إلى أقصى حد من الغايات، فيسيطر منطق الغاب، ويشتد التنافس بين الأفراد والجماعات، وتتضاعف الحاجات والمطالب التي تتجاوز طاقات الفرد و قدراته، مما يؤدي إلى انهيار البعض أمام ضغوطها، وينحرف على إثرها البعض الآخر. بينما لو تفحصنا مبادئ التصوف الإسلامي نجدها قد جعلت كل السلوكات تنتهي عند خدمة الجماعة الإنسانية وبذلك تتحد الغايات والأهداف.

   يرى الصوفية أن الرسالة المحمدية عاملت جميع الأجناس وعممت فيهم أحكامها بهدف إصلاح الجميع، وبيّن الله سبحانه وتعالى أن أصل التكوين الإنساني واحد، وأن الطبيعة الإنسانية واحدة، فيجب أن تكون المعاملة الإنسانية واحدة،و التكليف واحدا  مصداقا لقوله تعالى من سورة البقرة، الآية رقم 213: كَانَ النَّاسُ أُمَةً وَاحِدَةً فَبَعَتَ الله النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِيْنَ وَمُنْذِرِينَ، وَأَنزَلَ مَعَهُمُ اَلْكِتَابَ بِاَلْحَقِ لِيَحْكُمَ بَيْنَ اَلنَّاسِ فِيمَا اُخْتَلَفُواْ فِيهِ، وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلاَّ الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَآءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ، فَهَدَى الله الّذِين ءَامَنُواْ لِمَا اُخْتَلَفُواْ فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَالله يَهْدِي مَن يَشَآءُ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ

   تنظر مدرسة التصوف الإسلامي للإنسان نظرة شمولية، تضع بعين الاعتبار التفاعل القائم بين

المزيد


سيدي سليمان بن عبد الله الكامل وزاوية عين الحوت بتلمسان للأستاذ عبد الرحيم بن منصور

يوليو 29th, 2008 كتبها محمد فتحي نشر في , إسلاميات, تصوفا, زوايا


الأستاذ عبد الرحيم بن منصور467dsc

 

بسم الله الرحمن الرحيم     وصلى الله على سيِّدنا محمد و آله و صحبه  

سُـــلَــيْــمــان   بــنُ   عــبــد   اللــه الكامل.                               

نشدُّ الِّرحالَ اليومَ إلى قرية العلْوِيِّين ( عـين الحـوت)، حيثُ ضريحُ أحدِ أعْلامِ آلِ البيتِ، و هو من عظماء أصحاب الدّعوة لِدينِ الله، في المغرِبِ قاطِبةً، و في تـلـمسـان خصوصاً، تلك الشخصيّة التي غطَّاها الغُبارُ ، و كادت تصبِح نِسياً منسياً؛ ذلكم هو سليمان بن عبد الله، دفين عين الحوت.                                                                                                        

فنحن لا نبالغ إذا زعمنا أنّ هذا الشّخصَ يجهلُهُ الجميعُ، حتى من المثقّفين و المؤرخين؛ فهو، و لو حرز شهرةً واسِعةً لترسيخ الدين الحنيف، و بناء المجتمع الإسلامي، فلن نجْدَ الآن من أمره خيراً؛ و لا نبالغ أيضاً إذا قلنا أنه، مع ذلك، الشخص الذي يكاد لا يعرف أحدٌ من حياته القليل و لا الكثير. فهو سْرٌّ مكنون في أحشاء التاريخ. فأردنا الاقتناص عن آثاره، و الاستقصاء عن أخباره..                                                                                                            

و يذهبُ جهلُنا إلى أنّنا لا نعرف متى وُلِد، و متى قضى نحبَه، إلاّ ما ذكره بعض المؤرخين عن وفاته، ممّا سنتعرّضُ له من بعد.                                                                                                                                        

 و الأمرُ الذي يبعث إلى العجب هو أنه و إن كان بعيدَ العهد مِنَّا جدّاً ( فهو بين ظهرانينا منذُ ثلاثة عشرة قرنا) ، فلم نجد مسلكاً في الإطِّلاع عن أحواله، و التعرّف عن أطوار حياته، و لا يعرفه النزر القليل منّا إلاّ باسم سِيدِي سْليمانْ، و يضاف عند التحير مولى النخلة اللي قبره قدّام مسجد و ضريح سيدي محمد بن علي.                                                     

و الحقيقة هو أن ذكره لا يأتي إلاّ مقروناً مع سرد أسماء إخوته، أبناء عبد الله الكامل، أو في ظلِّ الأدارسة.                 

أو ليس ذلك هو الدليل القويُّ على إهمالنا لأعلامنا، و عدم إنصافنا لهم، حتى نَنْفَضََ عنهم غبار النسيان ؟                 

 أو لم يحِنْ بعدُ زمنُ التخلُّص من هذه اللامبالاة، بل من هذا الإهمال الذي قضى على جُلِّ مآثر أسلافنا، و بالتالي على ما ورثناه من أحسابنا التي نسعى لإيجادها و تهيئة أسبابها؟                                                                         

 

و نحن في محاولتنا هذه لا نطمح إلاّ في رفع الغطاء، ما استطعنا، عن حياة هذا الرجل، وتقديم ما تمكّنا من وجوده في المراجع التي ذكرته عرَضاً، و أردنا أن نلمَّ الكِسَر و نؤلِّف بينها عسى أن نخرج بعملٍ متماسكٍ يعطينا نظرةً أوّليَّةً شاملةً عن هذا العَلَم المجهول من لدنا.                                                                                                        

 فأول ما نذكر، مما تعرفنا عليه اسمُه، و نسبُه، ثم تحديد سنة ولادته و سنة وفاته؛     

ثانيا: ذكر حياته في بيئة أسرته من آل البيت؛ 

ثالثاً: ما تصورناه من أعماله في سبيل الدَّعوة عند استقراره يتلمسان و أحوازها(عين الحوت)؛

و أخيراً: ذكر مناقبه و ما بذله في نشر الإسلام بالمغرب الأوسط، و أثار ذلك عبر أعقابه.                   

 

أولاً: اسمه و نسبه؛ مولده و وفاته:  

هو سُلَيمانُ بنُ عبدِ الله الكامل المحض بن الحسن المثنى، بن الحسن السبط، بن علي بن أبي طالب رضي الله عنه، و فاطمة الزهراء، بنت رسول الله صلى الله عليه و سلم.                                                                                     

و من المعلوم أنه يصعُب على من يبحثُ عن حياة الأعلام تحديدَ سنة الوِلادة، بخلاف تحديد سنة الوفاة، حيثُ يكون صاحبُ الترجمة قد اشتهر، و علا نجمُه في الأفاق بين أهل زمانه، فهم على بيِّنَةٍ و علمٍ بتاريخ موته. و لهذا لم تُحدِّد كُتُبُ التاريخ مولدَ سليمان بن عبد الله. لكن التقديرات كما سنبيِّنُه تسير إلى احتمال مولده سنة 110 هجرية/ 728-729 م؛ أي في بداية العقد الثاني من القرن الثاني للهجرة النبوية. ودلك استنادا لبعض علامات تاريخية تركت أثرَها في حياة أسرته الشريفة.

 كان أبوه، عبد الله الكامل نقيبَ الحَسَنِيِّين في المدينة المنوّرة على عهد الأموِيين، ثم المروانيين منهم، منذُ خلافة هشام بن عبد المالك، ثم على عهد بني عمومتهم الطالِبيين من بني العباس، خلال عهدي الخليفتين أبي العباس السفاح و أبي جعفر المنصور؛ كان لعبد الله الكامل ستة أو سبعة أبناء، حسب المؤلفين:

محمد النفس الزكية، و موسى و أمهم هِند بنت عُبيدة الصحابي من آل عزي .           

إدريس، و سليمان، و عيسى، و أمهم عـــائكة المخزؤمية .

و يحيى، وإبراهيم وأمهما قريبة بنت عبد الله .                        

كان أربعة من بني عبد الله أئمة للحركة الزيدية: محمد النفس الزكية، و إبراهيم، و يحيى، و إدريس.   

تُوُفِّيَ محمد المُلقَّب النفس الزكية سنة 145هجرية/762مو و عمره 45 سنة، ذلك بعد خروجه على أبي جعفر المنصور    بالمدينة المنورة، و على هذا قد نكون زيادته سنة 100 هجرية;

تُوُفِّيَ أخوه إبراهيم في نفس السنة، بعد خروجه بالبصرة على نفس الخليفة، و عمره 43 سنة؛ فقد يكون ميلاده سنة 102 هجرية

تُوُفِّيَ أبوهم عبد الله بن الحسن المثنى سنة 144 هجرية/ 762م، في سجن أبي جعفر المنصور، و عمره 75 سنة؛ و قد تكون 69 هجرية سنة ولادته

تُوُفِّيَ يحيى الذي كان إماماً بـالَّدْيْــَلم، ثم تخلى عن الإمامة بعد ما أمنه هارون الرشيد، إلاّ أنه حبسه، فمات في السجن سنة 157 هجرية/774م[9]                                                    

حسب هذه المعلومات، و تآريخها، و إذا افترضنا أن الفترة بين  ولادتين تغطّي سنتين، و أن سليمان هو أصغر أبناء عبد الله الكامل، حسب تسلسل أسماءهم، فمن المحتمل أن تكون سنة 110  هجرية/738م هي سنة ولادة سليمان بن عبد الله ، إلاّ أننا لم نعثر على أيّ وثيقة يُدكرُ فيها أسماءُ بنات لعبد الله الكامل، أو عن تاريخ زواجه الثاني؛  فبكل تحفظ نحدد أخيراً مولد سليمان بن عبد الله الكامل بين 110 هجرية/738م و 115هجرية/ 743م         

أما سنة وفاته، فهي حسب عبد الرحمان الجيلالي  200هجرية/814 م   [10]    

ذكر حياته سليمان بن عبد الله في بيئة آل البيت.  

نشأ سليمان بن عبد الله في أُسرةٍ من عُليَةِ القوم,، جمعت بين العلم, و الأدب، و الوجاهة، و الكفاية في الرزق، إذ كانت عشيرته تُمَدُّ العطاء أو تُمنَعُ منه حسب الأوضاع السياسية الظرفية، و علاقات ناظوراتها مع الخلفاء و الوُلاة. كان ينتمي سليمان زمنياً إلى العصرين الأموي و العباسي الأول. كان صِباهُ على ما يبدو في عهد هشام بن عبد المالك(105 هـ125/ 724 ـ 744 م)؛ و كان شبابه في عهد المر وانيين(125 هـ132ه/744ـ 749م ) الذي ساءت الأحوال بينهم و اضطربت. و دخل سليمانُ مُعتَرَكَ الحياة في عهد أبي العباس السفاح (132هـ136ه/749ـ754 )               

ورغم تدهور الأوضاع السياسية و الاجتماعية إلاّ أن الحالة الاقتصادية لم تزل مزدهرة نظراً لكثرة الغنائم المأخوذة إثر الحروب، و الفَيءِ أو الخراج المضروب على بعض الشعوب التي شرحت صدرَها للإسلام، و شاركت في الفتوحات.           و أما وضعية العِلم، فانفجرت بعد احتكاك العرب بالروم، و الفرس، و الهند، و غيرهم. فحتى، و لو لم تبقَ المدينة المنورة قاعدةً للبلاد الإسلامية بعد نقل الخلافة إلى دمشق، ثم بغداد، فإنها موئل الصحابة و العلماء، فضلا عن التابعين وتابعي التابعين و  لم تزل عاصمةً علمية حيثُ أنها مهدَ الحديث و الأثر الذي كان يرويه آل البيت، كما كانت قلعة أصحاب القراءات، و العلماء المتحدّثين، و علماء الأصول و الأدباء، و الشعراء. فكانت مقصدَ طُلاّب العلم النافدين من كل صَوْب و نحب.                     

فتح سليمان عينيه في هذه البيئة الغزيرة بالعلوم، و على ما كان يَتَمَخَّضُ في زمانه من آراء مختلفة للمتكلمين و أصحاب الفرق من الخوارج و الشيعة. فزوّد ثقافته من هذا المحيط المُفعَم بالنقباء، و العلماء، و الأدباء، من أسرة أبيه، و من أسرة أمه ( عائكة المخزومية)، المشهود لهم بالتقوى، و العلم، و الإيمان، و الأدب، أمثال أبيه عبد الله، و جده الحسن المثنى، و أقربائه الأقربين من بني الحسن و الحسين، أمثال علي زين العابدين، و أبنائه محمد الباقر، و زيد، و جعفر الصادق، و غيرهم.

 

الدعوة  لإمامة إخوته، و استقرار سليمان بتلمسان و عين الحوت:                                  

بعث محمداً النفس الزكية أخويه سليمان و يحيى إلى نصرته 139ه/757م، و ذلك قبل خروجه ضد الخليفة العباسي أبي جعفر المنصور سنة 144ه/762م.                     

في شأن بعثة سليمان و يحيى ابني عبد الله الكامل لدعوة العلوية تتضارب الأخبار. فبينما يقول صاحب القرطاس[11]  أن محمداً النفس الزكية أرسل أخاه سليمان إلى مصر ، يناقضه محمود إسماعيل [12] أنه بعثه إلى بلاد المغرب اعتماداً على ابن أبي زرع( ص16). فنزل سليمان بعد رحلة طويلة عبر مصر و بلاد النوبة و السودان و بلاد الزاب. ثم يستطرد قائلاً: و يبدو أن الخوف من عيون العباسيين كان من وراء تَحاشي سليمان اتخاذ الطريق الساحلي من برقة إلى تلمسان، علماً بأن العربَ أنشئوا البريد منذُ سنة 30ه/650م، و أحكموا هدا النظام التجسسي الذي بلغ نجا عته في عهد العباسيين، حيث كان نشاطه ذا فعالية بالغة [13].  

نزل سليمان بتلمسان، ثم لحقه إليها أخوه إدريس، في عهد الخليفة أبي العباس السفاح[14] الذي كان ينافسه آنذاك محمد بن عبد الله على الخلافة؛ و يبدو أن الخلاف تفاقم بعد إلحاح العلويين على طلب الإمامة، و كانوا يرونها من حقهم. فكان ردُّ العباسيين عنيفاً لإبعاد أحفاد علي عنها؛ و قد استعملوا كل الوسائل من قتل، و سجن، و إبادة، ونفي، و تشريد، و إذلال، حتى فيمن أطاع[15]. و على إثر هذه المعاملات الشنيعة المدنسة، ثار محمد  بعد قتل أبيه عبد الله الكامل سنة 144ه/756م على رأس العلويين، و أهل المدينة المنورة الذي استحصن فيها مع أنصاره، تشجيعاً من إمامنا مالك رضي الله عنه. صمد محمد بن عبد الله إلى أن زكى  أنصاره بعد إحراق سجلات قوائم أسمائهم قبل قتله، و قتل الكثير من ذويه، و أصحابه، فتفرقوا أيدي سبأ، ولاذوا إلى أطراف الدولة.              .   

لم يحضر سليمان ثورة أخيه محمد بالمدينة المنورة، فواصل الدعوة بعد موت أخيه النفس الزكية سنة 145ه/757م لصالح أخيه يحيى الذي أسس دولة بالديـلم, فخادعه الخليفة هارون الرشيد، ثم قضى عليه في السجن شهرين بعد ما آمانه على حياته.                       

و في رواية لحشلاف[16] أرسل محمد النفس الزكية أخاه سليمان إلى مصر؛ فلما اتصل به خبر وفاة النفس الزكية فرّ إلى بلاد النوبة، و منها إلى السودان؛ ثم رجع  لزاب  إفريقية، ثم ارتحل لتاقدمت و أقام بها أياماً. ثم انتقل لتلمسان و استوطنها في خلافة مولانا إدريس و تزوج بها، فولد له عشرة أولاد… إذن، اتخذ سليمان زؤجة في تلمسان، و أنجبت له زوجته الأمازيغية، و لم يذكر اسمها، على أن كل الاحتمالات توحي أنها من قبيلة بني خزر المغراوية التي اعتنقت الإسلام منذ أكثر من قرن، عندما ذهب شيخها صَوْلات بن وازمّار عند عثمان رضي الله عنه، فولاَّه على قومه و وطنه.[17]

من جهة أخرى يلاحظ بعض المؤرخين أن أول من نزل تلمسان هو محمد بن سليمان[18]، مع انعدام أي دليل يشير إلى أن سليمان أو إدريس كان لهما أزواجاً، أو تركا أعقاباً في الحجاز. و الراجح أن والدة محمد كانت بربرية، و أن محمداً نشأ بتلمسان و ترعرع فيها بين أحضان أخواله من بني خزر الذين خلصوا المغرب الأوسط و تلمسان من عنف الخوارج الصفرية، و من إمامهم أبي قُرَّة اليفريني سنة 162هجرية/776م.                                                       

المزيد


لمحة تاريخية حول نشأة الزوايا للأستاذ عبد الرحيم بابا أحمد

يوليو 29th, 2008 كتبها محمد فتحي نشر في , إسلاميات, تصوفا, زوايا



بسم الله الرحمن الرحيم

وصلى الله على سيدنا وسندنا ومولانا محمد

وعلى آله وصحبه وسلم

يا فتّاح؛ يا عليم ؛ يا نور؛ يا هادي؛ يا حقّ؛ يا مبين ؛

 افتح لي فتحاً تُنوّر به قلبي وتشرح به صدري ؛

 واهدني إلى طريق ترضاه وبيّن لي أمري

اللّهمّ

اجعل ما أشاء موافقا لما تشاءُ ؛

كَيْ لا يصير ما أشاء مخالفًا لما تشاء

فمن أنا حتّى أشاء خِلافَ ما اللهُ يشاء 

لو جاهد العبد وشاء،

ما كان إلاّ ما تشاء

فالطف بنا فيما تشاء

وما تشاؤون إلاّ أن يشاء الله ربّ العالمين

وبعد  

فما يزال موضوع الزّوايا محلّ اهتمام العلماء والباحثين لما قدّمته من أعمال خيرية ووظائف علميّة وتربويّة وإصلاحيّة للمجتمع الإسلامي طُرًّا

فسنحاول من خلال هذه المداخلة القصيرة والمتواضعة أن نميط اللّثام عن بعض الجوانب منها

والزوايا جمعُ زاوية، واللفظ من حيث الاشتقاق مأخوذ إمّا من الانزواء، بمعنى الانقباض، لانقباضهم عن النّاس؛ أو من زاوية البيت، أي الناحية، لميلهم إلى البعد عن الناس والخفاء. ولقد كانوا، في زمن التابعين يسمّون العبّاد، وهم منسوبون على أرجح الأقوال إلى أهل الصفّة، الذين كانوا في عهد الرسول- صلّى الله عليه وسلّم-، قصروا أنفسهم على الطاعات ولا يرجعون إلى أهلٍ أو مال, فهم كما قيل : ضيوف الله والإسلام

قال التقي المقريزي في الخطط : ولاتخاذ الرُّبط والزوايا أصل من السنّة وهو أن النّبيّ-صلّى الله عليه وسلّم- اتّخذ لفقراء الصحابة الذين لا يأوون إلى أهل ولا مال مكاناً من مسجده كانوا يقيمون به عرفوا بأهل الصّفة 

وعرّفها القاضي عياض بقوله: والصّفّة، بضم الصاد وتشديد الفاء، ضلّة في مؤخّر مسجد رسول الله-صلى الله عليه وسلّم- يأوى إليها المساكين وإليها ينسب أهل الصفة على أشهر الأقاويل؛ وكان الراتبون بها نحو الأربعمائة رجل منهم أبو هريرة وابن أمّ مكتوم وصهيب وسلمان وخباب وبلال وغيرهم

وكان رسول الله-صلى الله عليه وسلم- فيما رواه البخاري، إذا أتته الصدقة بعث إليهم-أهل الصفة- بها ولم يتناول منها شيئا، وإذا أتته هدية أرسل إليهم وأصاب منها وأشركهم فيها

وأخرج أبو نعيم في الحلية من طريق أبي هريرة: كنت من أهل الصفة وكنّا إذا أمسينا حضَرَنا رسول الله-صلى الله عليه وسلّم- فيأمر كلّ رجل فينصرف برجلين أو أكثر فيبقى من بقِيَ عشرة أو أكثر أو أقلّ فيؤتي النبي-صلّى الله عليه وسلّم- بعَشائه فيتعشّى معهم، فإذا فرغنا قال: ناموا في المسجد

وذكر ابن سعد- في الطبقات ج3ص71- أنّ القرّاء، في زمن الرسول-صلى الله عليه وسلّم- كانوا يقرؤون القرآن ويتدارسون بالليل، وكانوا بالنّهار يجيئونبالماء فيضعونه في المسجد ويحتطبون فيبيعونه ويشترون به الطعام لأهل الصفة والفقراء

ولقد نزل في حقّهم قرءان يتلى، فنزل في حقّ ابن أمّ مكتوم قوله سبحانه (عبس وتولّى أن جاءه الأعمى)  وقال جلال الدين السيوطي في تكملته لتفسير جلال الدين المحلّي في قوله سبحانه (الذين أُحصِروا في سبيل الله) أنّها نزلت في أهل الصفة. ومعنى الذين أحصروا في سبيل الله أي حبسوا أنفسهم على الجهاد؛ وفي قوله (لا يستطيعون ضربًا في الارض) أي للتجارة والمعاش لشغلهم بالجهاد

ولقد ثبت أنّ الصوفيّة الكرام، هم الذين ورثوا أهل الصفة في الجلوس في المساجد والزوايا والربط

قال الأستاذ أبو عثمان سعيد بن ليون التجيبي في رسالته الإنالة العلمية: إنّ الفقراء المتجرّدين من الصّوفيّة هم الذين ورثوا أهل الصفة في الجلوس في المساجد والربط والتّجرّد وقلّة التّسبّب والناس ينكرون على الفقراء هذه الصفة، وهي السنة، لأنّ

المزيد