سيدي سليمان بن عبد الله الكامل وزاوية عين الحوت بتلمسان للأستاذ عبد الرحيم بن منصور

كتبهامحمد فتحي ، في 29 يوليو 2008 الساعة: 19:42 م


الأستاذ عبد الرحيم بن منصور467dsc

 

بسم الله الرحمن الرحيم     وصلى الله على سيِّدنا محمد و آله و صحبه  

سُـــلَــيْــمــان   بــنُ   عــبــد   اللــه الكامل.                               

نشدُّ الِّرحالَ اليومَ إلى قرية العلْوِيِّين ( عـين الحـوت)، حيثُ ضريحُ أحدِ أعْلامِ آلِ البيتِ، و هو من عظماء أصحاب الدّعوة لِدينِ الله، في المغرِبِ قاطِبةً، و في تـلـمسـان خصوصاً، تلك الشخصيّة التي غطَّاها الغُبارُ ، و كادت تصبِح نِسياً منسياً؛ ذلكم هو سليمان بن عبد الله، دفين عين الحوت.                                                                                                        

فنحن لا نبالغ إذا زعمنا أنّ هذا الشّخصَ يجهلُهُ الجميعُ، حتى من المثقّفين و المؤرخين؛ فهو، و لو حرز شهرةً واسِعةً لترسيخ الدين الحنيف، و بناء المجتمع الإسلامي، فلن نجْدَ الآن من أمره خيراً؛ و لا نبالغ أيضاً إذا قلنا أنه، مع ذلك، الشخص الذي يكاد لا يعرف أحدٌ من حياته القليل و لا الكثير. فهو سْرٌّ مكنون في أحشاء التاريخ. فأردنا الاقتناص عن آثاره، و الاستقصاء عن أخباره..                                                                                                            

و يذهبُ جهلُنا إلى أنّنا لا نعرف متى وُلِد، و متى قضى نحبَه، إلاّ ما ذكره بعض المؤرخين عن وفاته، ممّا سنتعرّضُ له من بعد.                                                                                                                                        

 و الأمرُ الذي يبعث إلى العجب هو أنه و إن كان بعيدَ العهد مِنَّا جدّاً ( فهو بين ظهرانينا منذُ ثلاثة عشرة قرنا) ، فلم نجد مسلكاً في الإطِّلاع عن أحواله، و التعرّف عن أطوار حياته، و لا يعرفه النزر القليل منّا إلاّ باسم سِيدِي سْليمانْ، و يضاف عند التحير مولى النخلة اللي قبره قدّام مسجد و ضريح سيدي محمد بن علي.                                                     

و الحقيقة هو أن ذكره لا يأتي إلاّ مقروناً مع سرد أسماء إخوته، أبناء عبد الله الكامل، أو في ظلِّ الأدارسة.                 

أو ليس ذلك هو الدليل القويُّ على إهمالنا لأعلامنا، و عدم إنصافنا لهم، حتى نَنْفَضََ عنهم غبار النسيان ؟                 

 أو لم يحِنْ بعدُ زمنُ التخلُّص من هذه اللامبالاة، بل من هذا الإهمال الذي قضى على جُلِّ مآثر أسلافنا، و بالتالي على ما ورثناه من أحسابنا التي نسعى لإيجادها و تهيئة أسبابها؟                                                                         

 

و نحن في محاولتنا هذه لا نطمح إلاّ في رفع الغطاء، ما استطعنا، عن حياة هذا الرجل، وتقديم ما تمكّنا من وجوده في المراجع التي ذكرته عرَضاً، و أردنا أن نلمَّ الكِسَر و نؤلِّف بينها عسى أن نخرج بعملٍ متماسكٍ يعطينا نظرةً أوّليَّةً شاملةً عن هذا العَلَم المجهول من لدنا.                                                                                                        

 فأول ما نذكر، مما تعرفنا عليه اسمُه، و نسبُه، ثم تحديد سنة ولادته و سنة وفاته؛     

ثانيا: ذكر حياته في بيئة أسرته من آل البيت؛ 

ثالثاً: ما تصورناه من أعماله في سبيل الدَّعوة عند استقراره يتلمسان و أحوازها(عين الحوت)؛

و أخيراً: ذكر مناقبه و ما بذله في نشر الإسلام بالمغرب الأوسط، و أثار ذلك عبر أعقابه.                   

 

أولاً: اسمه و نسبه؛ مولده و وفاته:  

هو سُلَيمانُ بنُ عبدِ الله الكامل المحض بن الحسن المثنى، بن الحسن السبط، بن علي بن أبي طالب رضي الله عنه، و فاطمة الزهراء، بنت رسول الله صلى الله عليه و سلم.                                                                                     

و من المعلوم أنه يصعُب على من يبحثُ عن حياة الأعلام تحديدَ سنة الوِلادة، بخلاف تحديد سنة الوفاة، حيثُ يكون صاحبُ الترجمة قد اشتهر، و علا نجمُه في الأفاق بين أهل زمانه، فهم على بيِّنَةٍ و علمٍ بتاريخ موته. و لهذا لم تُحدِّد كُتُبُ التاريخ مولدَ سليمان بن عبد الله. لكن التقديرات كما سنبيِّنُه تسير إلى احتمال مولده سنة 110 هجرية/ 728-729 م؛ أي في بداية العقد الثاني من القرن الثاني للهجرة النبوية. ودلك استنادا لبعض علامات تاريخية تركت أثرَها في حياة أسرته الشريفة.

 كان أبوه، عبد الله الكامل نقيبَ الحَسَنِيِّين في المدينة المنوّرة على عهد الأموِيين، ثم المروانيين منهم، منذُ خلافة هشام بن عبد المالك، ثم على عهد بني عمومتهم الطالِبيين من بني العباس، خلال عهدي الخليفتين أبي العباس السفاح و أبي جعفر المنصور؛ كان لعبد الله الكامل ستة أو سبعة أبناء، حسب المؤلفين:

محمد النفس الزكية، و موسى و أمهم هِند بنت عُبيدة الصحابي من آل عزي .           

إدريس، و سليمان، و عيسى، و أمهم عـــائكة المخزؤمية .

و يحيى، وإبراهيم وأمهما قريبة بنت عبد الله .                        

كان أربعة من بني عبد الله أئمة للحركة الزيدية: محمد النفس الزكية، و إبراهيم، و يحيى، و إدريس.   

تُوُفِّيَ محمد المُلقَّب النفس الزكية سنة 145هجرية/762مو و عمره 45 سنة، ذلك بعد خروجه على أبي جعفر المنصور    بالمدينة المنورة، و على هذا قد نكون زيادته سنة 100 هجرية;

تُوُفِّيَ أخوه إبراهيم في نفس السنة، بعد خروجه بالبصرة على نفس الخليفة، و عمره 43 سنة؛ فقد يكون ميلاده سنة 102 هجرية

تُوُفِّيَ أبوهم عبد الله بن الحسن المثنى سنة 144 هجرية/ 762م، في سجن أبي جعفر المنصور، و عمره 75 سنة؛ و قد تكون 69 هجرية سنة ولادته

تُوُفِّيَ يحيى الذي كان إماماً بـالَّدْيْــَلم، ثم تخلى عن الإمامة بعد ما أمنه هارون الرشيد، إلاّ أنه حبسه، فمات في السجن سنة 157 هجرية/774م[9]                                                    

حسب هذه المعلومات، و تآريخها، و إذا افترضنا أن الفترة بين  ولادتين تغطّي سنتين، و أن سليمان هو أصغر أبناء عبد الله الكامل، حسب تسلسل أسماءهم، فمن المحتمل أن تكون سنة 110  هجرية/738م هي سنة ولادة سليمان بن عبد الله ، إلاّ أننا لم نعثر على أيّ وثيقة يُدكرُ فيها أسماءُ بنات لعبد الله الكامل، أو عن تاريخ زواجه الثاني؛  فبكل تحفظ نحدد أخيراً مولد سليمان بن عبد الله الكامل بين 110 هجرية/738م و 115هجرية/ 743م         

أما سنة وفاته، فهي حسب عبد الرحمان الجيلالي  200هجرية/814 م   [10]    

ذكر حياته سليمان بن عبد الله في بيئة آل البيت.  

نشأ سليمان بن عبد الله في أُسرةٍ من عُليَةِ القوم,، جمعت بين العلم, و الأدب، و الوجاهة، و الكفاية في الرزق، إذ كانت عشيرته تُمَدُّ العطاء أو تُمنَعُ منه حسب الأوضاع السياسية الظرفية، و علاقات ناظوراتها مع الخلفاء و الوُلاة. كان ينتمي سليمان زمنياً إلى العصرين الأموي و العباسي الأول. كان صِباهُ على ما يبدو في عهد هشام بن عبد المالك(105 هـ125/ 724 ـ 744 م)؛ و كان شبابه في عهد المر وانيين(125 هـ132ه/744ـ 749م ) الذي ساءت الأحوال بينهم و اضطربت. و دخل سليمانُ مُعتَرَكَ الحياة في عهد أبي العباس السفاح (132هـ136ه/749ـ754 )               

ورغم تدهور الأوضاع السياسية و الاجتماعية إلاّ أن الحالة الاقتصادية لم تزل مزدهرة نظراً لكثرة الغنائم المأخوذة إثر الحروب، و الفَيءِ أو الخراج المضروب على بعض الشعوب التي شرحت صدرَها للإسلام، و شاركت في الفتوحات.           و أما وضعية العِلم، فانفجرت بعد احتكاك العرب بالروم، و الفرس، و الهند، و غيرهم. فحتى، و لو لم تبقَ المدينة المنورة قاعدةً للبلاد الإسلامية بعد نقل الخلافة إلى دمشق، ثم بغداد، فإنها موئل الصحابة و العلماء، فضلا عن التابعين وتابعي التابعين و  لم تزل عاصمةً علمية حيثُ أنها مهدَ الحديث و الأثر الذي كان يرويه آل البيت، كما كانت قلعة أصحاب القراءات، و العلماء المتحدّثين، و علماء الأصول و الأدباء، و الشعراء. فكانت مقصدَ طُلاّب العلم النافدين من كل صَوْب و نحب.                     

فتح سليمان عينيه في هذه البيئة الغزيرة بالعلوم، و على ما كان يَتَمَخَّضُ في زمانه من آراء مختلفة للمتكلمين و أصحاب الفرق من الخوارج و الشيعة. فزوّد ثقافته من هذا المحيط المُفعَم بالنقباء، و العلماء، و الأدباء، من أسرة أبيه، و من أسرة أمه ( عائكة المخزومية)، المشهود لهم بالتقوى، و العلم، و الإيمان، و الأدب، أمثال أبيه عبد الله، و جده الحسن المثنى، و أقربائه الأقربين من بني الحسن و الحسين، أمثال علي زين العابدين، و أبنائه محمد الباقر، و زيد، و جعفر الصادق، و غيرهم.

 

الدعوة  لإمامة إخوته، و استقرار سليمان بتلمسان و عين الحوت:                                  

بعث محمداً النفس الزكية أخويه سليمان و يحيى إلى نصرته 139ه/757م، و ذلك قبل خروجه ضد الخليفة العباسي أبي جعفر المنصور سنة 144ه/762م.                     

في شأن بعثة سليمان و يحيى ابني عبد الله الكامل لدعوة العلوية تتضارب الأخبار. فبينما يقول صاحب القرطاس[11]  أن محمداً النفس الزكية أرسل أخاه سليمان إلى مصر ، يناقضه محمود إسماعيل [12] أنه بعثه إلى بلاد المغرب اعتماداً على ابن أبي زرع( ص16). فنزل سليمان بعد رحلة طويلة عبر مصر و بلاد النوبة و السودان و بلاد الزاب. ثم يستطرد قائلاً: و يبدو أن الخوف من عيون العباسيين كان من وراء تَحاشي سليمان اتخاذ الطريق الساحلي من برقة إلى تلمسان، علماً بأن العربَ أنشئوا البريد منذُ سنة 30ه/650م، و أحكموا هدا النظام التجسسي الذي بلغ نجا عته في عهد العباسيين، حيث كان نشاطه ذا فعالية بالغة [13].  

نزل سليمان بتلمسان، ثم لحقه إليها أخوه إدريس، في عهد الخليفة أبي العباس السفاح[14] الذي كان ينافسه آنذاك محمد بن عبد الله على الخلافة؛ و يبدو أن الخلاف تفاقم بعد إلحاح العلويين على طلب الإمامة، و كانوا يرونها من حقهم. فكان ردُّ العباسيين عنيفاً لإبعاد أحفاد علي عنها؛ و قد استعملوا كل الوسائل من قتل، و سجن، و إبادة، ونفي، و تشريد، و إذلال، حتى فيمن أطاع[15]. و على إثر هذه المعاملات الشنيعة المدنسة، ثار محمد  بعد قتل أبيه عبد الله الكامل سنة 144ه/756م على رأس العلويين، و أهل المدينة المنورة الذي استحصن فيها مع أنصاره، تشجيعاً من إمامنا مالك رضي الله عنه. صمد محمد بن عبد الله إلى أن زكى  أنصاره بعد إحراق سجلات قوائم أسمائهم قبل قتله، و قتل الكثير من ذويه، و أصحابه، فتفرقوا أيدي سبأ، ولاذوا إلى أطراف الدولة.              .   

لم يحضر سليمان ثورة أخيه محمد بالمدينة المنورة، فواصل الدعوة بعد موت أخيه النفس الزكية سنة 145ه/757م لصالح أخيه يحيى الذي أسس دولة بالديـلم, فخادعه الخليفة هارون الرشيد، ثم قضى عليه في السجن شهرين بعد ما آمانه على حياته.                       

و في رواية لحشلاف[16] أرسل محمد النفس الزكية أخاه سليمان إلى مصر؛ فلما اتصل به خبر وفاة النفس الزكية فرّ إلى بلاد النوبة، و منها إلى السودان؛ ثم رجع  لزاب  إفريقية، ثم ارتحل لتاقدمت و أقام بها أياماً. ثم انتقل لتلمسان و استوطنها في خلافة مولانا إدريس و تزوج بها، فولد له عشرة أولاد… إذن، اتخذ سليمان زؤجة في تلمسان، و أنجبت له زوجته الأمازيغية، و لم يذكر اسمها، على أن كل الاحتمالات توحي أنها من قبيلة بني خزر المغراوية التي اعتنقت الإسلام منذ أكثر من قرن، عندما ذهب شيخها صَوْلات بن وازمّار عند عثمان رضي الله عنه، فولاَّه على قومه و وطنه.[17]

من جهة أخرى يلاحظ بعض المؤرخين أن أول من نزل تلمسان هو محمد بن سليمان[18]، مع انعدام أي دليل يشير إلى أن سليمان أو إدريس كان لهما أزواجاً، أو تركا أعقاباً في الحجاز. و الراجح أن والدة محمد كانت بربرية، و أن محمداً نشأ بتلمسان و ترعرع فيها بين أحضان أخواله من بني خزر الذين خلصوا المغرب الأوسط و تلمسان من عنف الخوارج الصفرية، و من إمامهم أبي قُرَّة اليفريني سنة 162هجرية/776م.                                                                 

و الدليل على ما ذهبنا إليه هو أن سليمان، عند رجوعه إلى تلمسان بعد واقعة فــخّ, مارّاً بتاهرت، تمت له مبايعة أهلها مباشرة، فأمّروه عليهم دون تردد و لا اضطراب رغم أن بعض القبائل المغراوية كانت مائلة إلى الخوارج؛ لكنها، من جهة أخرى كانت متعلقة تعلقاً شديداً ببركة أهل البيت[19]، ومفتخرة بإصهارها لديهم. في الحقيقة، لما عاد سليمان من جديد إلى تلمسان لم يعد إلى بيته و ذويه فقط، بل رجع كذلك عند شيوخ قد فكروا ربما في استقرار ملكٍ لهم بين وادي ملوية و وادي شلف، ملك يتاخم الإمامة الزيدية التي أسسها أخوه إدريس بأقصى المغرب الإسلامي. و مَن يجدونه أشرف للتربع على هذا العرش سوى حفيدٌ من أحفاد الرسول صلى الله عليه و سلم                              

هذا و قد ألمحنا إلى ذهاب سليمان إلى المدينة المنورة للحضور في ثورة الحسين بن علي الفخّي إلا أن الأخبار متضاربة  في هذا الأمر كذلك. فبينما يزعم الطبري, و من استند إليه، أن سليمان قُتل في هذه الواقعة. سنة 169هجرية/779م, حيث يقول بالحرف الواحد: و احتُزَّت الرؤوس، فكانت مائة رأس و نيفاً، فيها سليمان بن عبد الله بن الحسن، و ذلك يوم التروية[20] ، إلا أن ابن قنفد يقول في أرجوزته حول الأشراف[21]:                                            

و بتلمسان سليمان أخوه     ألم فيه و قضى بها نحبه                                             

ذلك ما يؤيده كتاب النسب[22] الذي يقول مؤلفه: و ثالث أبنائه هو مولانا سليمان، و قبره بتلمسان المحروسة، كما أن أحمد محمد صبحي لا يذكر سليمان من بين الذين اجتمعوا إلى الحسين الفخي[23]                                                 

و تُوُفِّي سليمان، رحمة الله عليه و رضوانه سنة 200هجرية/816م حسب ما قاله حشلاف و غيره و دُفن بعين الحوت حيث قبره، و قد شهدت عليه تلك النخلة المشهورة التي كانت تُرقّي و تزين المنظر إلى أن حُطِّمت منذ بضع عقود… و ليتها غرست من جديد إ. 

و لماذا دُفن سليمان بن عبد الله الكامل في عين الحوت؟  سؤال من واجبنا أن نُلقيَه إذ من الغريب أن يترك سليمان قاعدة إمارته ليضرب خيمته بأحوازها. 

 كان هذا الموقع على شمال تلمسان معبراً مُجبَراً لمن أراد الدخول إلى أجادير، و قد انزوى به سليمان نهائياً حين أدركه عبءَ الكبر و كهَّلته السنون؛ فتفرغ للعبادة فيه. ؤ قد اتخذ من عين الحوت مقام إقامته في فترة الصفريه[24] مع ابنه محمد الذي أرشده إلى ذلك، لما رأى الموقع نقطة استرا تيجية على الطريق الرئيسي الذي كان يؤدي إلى أجاديربـاب المغرب كما وصفها هارون الرشيد. فكانت تلمسان الرِّتاج و عين الحوت بابه الصغير.                                                           

في هذا الموقع عاش سليمان في زمان اضطربت فيه الأوضاع و كثرت الفِرق الذهبية التي تكالبت على الحكم في الشرق الإسلامي و غربه. فكان الخوارج الذين تمرّدوا على الخلافة الأموية لأسباب أيديولوجية، و قد سبق أن ذكرنا من بينهم الصفرية الذين أسسوا إمارات بتلمسان و سجلماسة، ثم الإباضية الذين استقر ملكهم في تاهرت  مع ابن رسطم؛ و كانت البرغواطية قائمة بنواحي دُكَّالة و فزاز. أما السنة و الجماعة فرسخوا بإفريقية (تونس) و نُكور بنواحي مليلية.

 مــنــاقــبــ سليمان بن عبد الله الكامل  و  آثــاره

عاش سليمان في هذه البيئة العلمية الغزيرة التي ميّزت المدينة المنورة بمدرستيها التي برزت في رواية الحديث و التمسك بالآثار؛ و شرب من علم التابعين في التفسير و الحديث و الفقه؛ كما انتهل من نوابغ الشيعة الزيدية. و قد استمال إلى هذه الفرقة أبوه عبد الله الكامل, متخذاً إياها ذريعة في حركته السياسية لمعارضة العباسيين لما اغتصبوا، حسب رأيه و رأي الكثير, الخلافة من ذويه. و من المشهور أن عبد الله بن الحسن قدّم ابنَه محمداً للمبايعة, محتجاً أنه المهدي, و لم يكن دلك اللهم إلا موقفاً سياسياً, لا غير, و لا علاقة له بأي أمر يمسّ أسس الشريعة و العقيدة.   

حسب محمود إسماعيل: بعث محمد النفس الزكية أخاه سليمان إلى بلاد المغرب فنزل يتلمسان…و في تلمسان أخذ يدعو للحسين بن علي بن الحسن[المثنى], بن الحسن[السبط] بن علي بعد مقتل النفس الزكية؛ و يبدو أنه أحرز نجاحاً ملحوظاً.[25]  

إذن،حقق سليمان نجاحاً في نسر الدعوة التي عبّدت الطريق لنشأ الإمامة الإدريسية عند قبائل انفصلت عن الخلافة  سياسياً, و لم يخطر ببالها أبداً أن تطعَنَ في الإسلام و حنفيته. لكن لما استقر الأمر لإدريس في المغرب،أوسطه و أقصاه، يستحيل أن العلويين مكثوا على آرائهم السياسية حول الإمامة إذ حققوا أغراضهم فيها إلا أنهم حولوا النظام الإمامي إلى نظام ملكي، شأنهم في ذلك شأن من سبقهم من أمويين و عباسيين، و حينئذ وجهوا جهودهم لنسر الإسلام و تعليم شريعته و تطبيقها في الأوساط البربرية.

و كما أسلفنا، أخذ سليمان عين الحوت مقراً لدعوته. فكان شيوخ القبائل يقفون كما نتخيّله، عند رباط هذا الحفيد لعليّ رضي الله عنه، فيُدنونه هو و ابنه و حفيده من أنفسهم و يكرمونهم. و لما كان هؤلاء الشيوخ قليل الحس طلبوا من لطافة أهل البيت؛ كما كانوا قليل الطبع، فرغبوا في ركانتهم؛ و رزانتهم؛ و كانو ا خِشن الذوق، فمالوا إلى رهافتهم و رقّهم؛ كانوا كذلك غليظ العقل، فيستحبون رجاحتهم و يفضلون رأيهم. كان الجمهور الغفير منهم لا يعرفون الكتابة و لا يحسنون القراءة، فاندفعوا و حُثُّوا إلى الرغبة في العلم و أخذه، إلا أن استعداداتهم كانت محدودة، فآلت رغبتهم لاهفة إلى تعليم لغة الضاد

و كانت فترة الدعوة هذه مضطربة حيث أصبح التنافس خلالها شديداً بين الحكومات المحلّية التي شقّت عصا الطاعة على الخلافة العباسية. و قد عاش فيها سليمان، و أخوه إدريس بدرجة أقل، متخذين مكانهما بين ذوي المثالة و أعيان القبائل. فكان سليمان عالماً، فقيهاً، متكلماً، بصيراً بمذاهب الكلام ممّا جعله يبارز رؤوس الخوارج و المعتزلة بجهر الرأي و إدلاء الحجة. فعاش، هو و عشيرته، مرعيّ الجانب، رقيقي المنزلة، مرموقي المحلّ، عظيمي الحظ عند المغراوة و بني خزر. و كان عندهم من ذوي النباعة و الصيت.

و عنت بسليمان السِّنُّ، و خلع هن منكبه رداء الشباب، فعكف في خلوته بالينبوع[26]  مُخَلِّدًا إلى القراءة و الدرس؛ و تفرًغ إلى بثّ العلم يؤثر في شيوخ القبائل العابرين عليها، كان لهم مجالس معه لمّا يلتحقون بمعزله، فيفيدهم من علومه و معارفه، ساعياً في بناء القِيَم التي من الواجب أن يسير عليها المجتمع الإسلامي، مربّياً النفوس على فطرتها، و مثبّتاً في الأذهان و العقول توحيد العقيدة و الخصال الحميدة كالاستقامة و الاعتدال، و الاستقلال، و قد كان هؤلاء الأعيان في حاجة إليها، فيتجهون إليها و يتطبعونها  و يهتمون بها و بالسلوك عليها. 

و نلاحظ أن أولائك الشيوخ كانوا قد اعتنقوا الدين الحنيف منذ حوالي مائة سنة، فمنهم من رغب فيه عقيدة، و منهم من تبع عشيرته، على أنهم لم يتعمقوا في شريعته؛ فكيف من حقيقته؟ و الجُلُّ الغفير لا يدرك بعدُ لغة القرآن. فكان لمُمارسة القِيم الدينية ارتباط وطيد مع المحيط الذي استقبل سليمان، قبل أن يخطُوَ خُطاهُ. فقد أسّست هذه القيم على الربَّانية التي مصدرها القرآن؛ و هذه خاصيّة انفردت بها التربية في بناء المجتمع الجديد إذ القرآن هو المصدر للقيم و هو المبين، فيه نورٌ و هدًى للناس. اتّسع تأثير القرآن و رسخ أحفاد و أعقاب سليمان في أنحاء المغرب الأوسط عندما استقروا بإماراتهم فيه خلال قرن و نصف. فكثُرت فُرض تَلَقّيه في حلقات المساجد، ثم الكتاتيب، و الرابطات، و الزوايا. سهُل أخذُه في ميادين التعليم و التدريس؛ فما من أحدٍ يطلب علماً من علوم الشريعة و العربية إلا و قد تلقى قبل ذلك، حِفظاً و دراسة، أصليْ الإسلام الكبيرين: القرآن، و الحديث. و يرى بعض  الباحثين[27] في عهد الأدارسة و السليمانيين أن الفضل في بثِّ الشريعة بين قبائل بلادنا يرجع إلى أعقاب سليمان الذين تحَلَّوْا بما وصّى به عليٌّ رضي الله عنه للحسن و الحسين, و أوصوا بنيهم به,  و الكل يرى أنهم أفلحوا و نجحوا في هذه المهمة الشريفة و ترسيخ  المذهب المالكي الذي جدّ في نشره سلفهم و ظفروا حقاً حيث أن الناس في كثرتهم لم ينحرفوا عن تعاليم الكتاب و السنة, و لم يسقطوا في آراء الشيعة أو الخوارج الذين لم يكفوا عن دعوتهم إلى ظهور المرابطين و الموحدين.

و يقول علي في وصيته التي تلخص القيم الإسلامية الحميدة و مرامها:[28]                                                          

ـأوصيكما بتقوى الله، و أن لا تبغيا الدنيا و إن بغتكما، و لا تأسفا على شيء منها زُوِي[29] عنكما[30] و قولا بالحق و اعملا للأجر، و كونا للظالم خصماً و للمظلوم عونا؛

ـ أوصيكما، و جميع ولدي، و أهلي، و من بلغه كتابي، بتقوى الله، و نظم أموركم، و صلاح ذات بينكم، فإني سمعتُ جدَّكما صلى الله عليه و آله، يقول: صلاح ذات البين أفضل من عامّة الصلاة و الصيام؛  

الله، الله في الأيتام، فلا تُغِبُّوا أفواههم[31]، و لا يضيعوا بحضرتكم؛  

و الله، الله في جيرانكم، فإنهم وصية نبيكم، ما زال يوصي بهم حتى ظننا أنه سَيُوَرِّثُهم[32]                                       

و الله، الله في القرآن، فلا يسبقكم بالعمل غيركم؛                            

و الله، الله في الصلاة، فإنها عمود دينكم؛             

و الله،  الله في بيت ربكم، لا تخلون ما بَقَيْتُم، فإنه إن تُرِك لم تناظروا[33]                                                          

و الله، الله في الجهاد بأموالكم و أنفسكم في سبيل الله؛      

و عليكم بالتواصل و التبادل[34]، و إياكم و التدابر و التقاطع؛ لا تتركوا الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر، فيولي عليكم شراركم ثم تدعون فلا يُستجاب لكم.

 

زاوية عين الحوت                                

عين الحوت : موقعها و أسطورتها    

تبعُد قرية عين الحوت عن تلمسان بحوالي سبع كيلومترات شمالا. وهي تقع في عقيق ناضر جميل، حََسَنُ المنظر و كثير الغرير. اشتهرت عين الحوت ببساتينها الخصبة ومفيآتها ومياهها الجارية العذبة. الطريق الذي يؤدي إليها رائع، يشقُّ مسلكا صخريا نبَّق فيه شجر الزيتون، و به ينعق وادي يسيل في عمقه غِرٌّ؛ لا يخلو المكان من جمال ولا بهجة، وقد نضخت به المياه فاجتمعت في صهريج يكثر  فيه السمك؛ ولذلك سُمِّيت القرية عين الحوت    

أسطورة عين الحوت :                                     

تروي إحدى الأسطورات أن سيدي عبد الله بن منصور[35]، صاحب الكرامات المشهورة اختار لزواجه مريم ابنة  محمد أبي عبد الله الشريف[36].فلم  يوافق العالم أن يصهر له إلا بشرط أن ابنته لا تقم أبدا بأشغال المنزل الشاقة، فلا تسقي الماء و لا تقم بالطحن؛وبعد قبول الوليّ، قامت خادمة بتلك الشؤون. فدخل سيدي عبد الله  ابن منصور بمريم، سليلة الشرفاء الحوتِيِّين المنحدرين من سليمان، ابن عبد الله الكامل بن الحسن المثنى، بن الحسن السبط، بن سيدنا علي رضي الله عنه، زوج للاَّ فاطمة الزهراء بنت سيدنا ونبينا محمد صلي الله عليه و سلم. 

وذات يوم أمر سيدي عبد الله بماء لوَضوئه، فتوجهت الخادمة إلى النهر و تركت شغلها. فلم تر مريم إلا أن أخذت بعود الرَّحى و استمرت في الطحن مكان الخادمة، وهي ترنم بصوتها الحسن.                                                    

خلال ذلك حضر أبو عبد الله الشريف لزيارة بنته؛ فرآها مشغولة في عمل لا يليق بما عوهد عليه؛ فوجم ونظر إليها، وكأنَّ على وجهه شيءٌ من الغضب؛ وقبل أن ينطق بأي كلمة، ألقي عليه  صهره سيدي عبد الله بن منصور السلام و أمر زوجته أن تبوح له بما جري. و لما أطلع أبوها على الحقيقة اطمأن وسكن                   

إلا أن سيدي عبد الله بن منصور أخذ حربه و انزلق إلى خارج الدار؛ فأخذ يضرب بحربه على الأرض بقوة حتى انفجرت و نبعت عين هامرة سالت واديا.          

انبهظت النسوة اللاتي كنَّ حاضرة بالمكان و تبركن بالولي الذي ألبس على طرف الحربة أجمل سمكة حمراء جعلها على يده اليسرى ثم نفخ عليها، فصارت طائرا  ملونا طار بجناحيه وانحط على النخلة التي في قبر سيدي سليمان العلوي.     

ومنذ ذلك الحين سميت العين ذات السمك المبارك بعين الحوت، وكذلك سميت القرية التي سقيت بكرامة الولي.                                                 

فار الماءُ من نَبْعه و سالت ساقيةٌ، غرٌّ دقيقٌ لا ينعق و لا يعمق، ينحدر رُويداً حسب خطٍّ مستقيم متوازيا مع سفح الجبل. على شمالي النهر خصُبت الأراضي حيث صُرفت مياهُه إلى بساتين كثُر فيها العشب والزهور، وملئت خضراً و فواكه؛ كما بُنيت على مجراه دورٌ استخدم أصحابها ذلك الماء لشؤون منازلهم؛ و  لا يزال لهم من ذلك اعتقاد في بركة الولي سيدي عبد الله بن منصور؛ وعلى شرقي النهر شقت طريق، مسلكاً لا يفارق مجراه إلا قليلاً. و على جانب الطريق الأيسر كثرت الأحياء السكانية على أراضٍ جرز، بدءاً من المقبرة العامة حتى ضريح سيدي منصور،ومسجد ابنه سيدي عبد الله.    

حياة القرية كلها في هذا الطريق إذ اجتمع فيه النشاط الاقتصادي و الاجتماعي، و العقائدي بالطبع؛ ولم يكن قبل زمان إلا معبراً لا تُري فيه نسوة و لا بُنَيَّات، إلا أحيانا، وفي أوقات معينة؛ فعندما يكون الرجال مشغولين في أعمالهم الزراعية عبر البساتين يُفسح لهن المجال للذهاب إلى الحمام؛وإذا أردن زيارة بعضهن اصطحبن بذراريهن.                                                               

وعلى مرِّ الطريق كلُّ ما بُني عبر العصور من مساجد وأضرحة وحُويطات وسقَّايات (فوارات)؛ وما غرس من أشجار رمزية كالبطوم، وعمارات عمومية اجتماعية كالمدرسة الابتدائية والمستوصف.                                  

وعلى آخره يفضي الطريق إلى حيِّ دار العرسة حيث خلوة سيدي محمد بن علي، بقرب الحمام العتيق ثم مسجده إزاء ضريح سيدي سليمان بن عبد الله الكامل.

وعلى بعد كيلومترين شمالي غربي القرية توجد تحمامت عين معدنية تخرج من جرف الجبل في مضيق على نهر سَكَّاك.                                                         

ذات يوم من أيام الربيع الناضرة الزاهية، خرجت الأميرة شُميشة، بنت سلطان الجدار[37]، مع رفيقاتها، إلى ضواحي أجادير[38] لقطف الزهور و التمتع بمحاسن الطبيعة؛ فانفردت هنيهة وهامت عبر الأحواز حتى أشرفت على شعبة الحُرَّة[39]. و هناك رآها فارس ظريف تعجَّب من جمالها فأراد أن يستأنس بها؛ اقترب منها ومدح حسنها و استأذن لقطف الزهور بجانبها؛ فَزِعَتْ الأميرة و ظنَّتْ منه سوءاً؛ فلاذت بالفرار، وجرت مسرعةً كي تبعُدَ منه و تتخلَّصَ من جرأته؛وبعد مسيرة طويلة أذهلت الأميرة وارتعبت عندما أدركت أن الشابَّ أوشك على الالتحاق بها.وحيث ما كانت لا ترغب إلا في النجاة من قبضته وجدت أمامها صهريجا؛ فألقت بنفسها فيه وانقلبت بإذن الله إلى سمكة؛ ومن أجل ذلك، واحتراما لعفاف تلك الحسناء يُمنع، إلى يومنا هذا صيدُ السمك الذي يرتعض و يسرح و يمرح في صهريج القرية التي سُمِّيت عين الحوت .

عين الحوت : مهبط الدعوة لأبناء عبد الله الكامل                  

يبقي بعد هذا الوصف الدقيق أن نتعرف على تاريخ عين الحوت. لم نعثر على اسمها و لم نجد لها أثاراً يذكر قبل مجيء سليمان، ـ سيدي سليمان ـ ابن عبد الله الكامل، أخو إدريس الأول ـ الأكبرـ، سليل الأدارسة؛

 لا نبتعد عن الحقيقة إدا فرضنا أن سليمان نزل بأجادير حين جاء من الحجاز، يدعو لإمامة أخيه، محمد النفس الزكية، كما سنراه في موضعه. ضرب سليمان خيمته بعين الحوت ؛ وعلى الظاهر أعطي المكان الذي نزل به اسم ينبوع، ؛  اتخذ سليمان من تلك الربوة خلوة للعبادة عند رجوعه إلى أجادير بعد كارثة فخّ[40]؛ ثم جعلها ابنه محمد ابن سليمان حاضرة لإمامته، مبتعداً عن أجادير، حيث ثبته إدريس الثاني ـ الأزهرـ، ابن أخته، وسبط سليمان أيضا، أميراً على ناحية تلمسان؛ و احتفظ بها أعقاب محمد هذا مقراً لسكناهم إلى أن أفل نجم ملك السليمانيين بتلمسان و المغرب الأوسط. يقول عبد الرحمان الجيلالي : و بقي محمد هذا على ولايته مقيما بعين الحوت إلى وفاته لجبل وهران، فخلفه يومئذ أبناؤه وحفدته.[41] و يذكر التاريخ سلالة محمد ابن سليمان بتلمسان، و منهم أحمد، ثم محمد، ثم القاسم على التوالي،[42]. و عندما يتطرق التبسي لنسب السلطان الزياني محمد المتوكل يصعد بأسلافه حتى القاسم هذا، آخر الأمراء السليمانيين. و يضيف عبد الرحمان الجيلالي: و استمرت هذه الولاية فيهم إلى أن سقطت بيد موسى بن العافية المكناسي، عامل الشيعة، سنة 319/913[43]

و في هذه الفترة العكرة تشتت العلويون أبناء سليمان بن عبد الله الكامل في ربوع المغرب الأوسط كما تشتت أبناء أعمامهم الأدارسة في بادية المغرب الأقصى؛ و خلال هذه الحقبة المضطربة في تاريخ المغرب الإسلامي الكبير أسست الزوايا و انتشرت[44] للاستمرار في عملها الجاد لنشر الإسلام بين البدو الذين كانوا بعيدين عن الحضارة المدنية؛ فكثيراً ما يرجعون إلى همجيتهم والإنصات إلى دعاة، مثل متنبيْ تلمسان الذي كان يجتمع عليه من الأوغاد من يصحُّ فيهم قول القائل : انعق بما شئت تجد أنصاراً[45] غير أن عمل أبناء الرسول صلي الله عليه وسلم في أرياف المغرب الأوسط كانت فعاليتها حاسمة، و أوسع من فعالية العلماء الدين اشتهرت بهم القيروان، و مما استنتجه الباحث جورج مارسي من رحلة اليعقوبي فإن العلويين ساهموا في طرد الخوارج الذين أوشكوا على عزل المغرب عن البلاد الإسلامية، و أدوا بأنفسهم على إرجاع السنة بين البدو الذين اختلطوا بهم.

نشأة زاوية عين الحوت: 

 يقول أبوالقاسم سعد الله : ومن بين الزوايا التي لعبت دوراً رئيسيا في نشر التعليم في غير العاصمة زاوية الفكون بقسنطينة، وزاوية مازونة ذات الشهرة الواسعة، وزاوية عين الحوت بتلمسان.[46]                

ومن المرجح أن تاريخ نشأتها يعود إلى القرن الرابع الهجري/العاشر المسيحي عندما تشتت شمل العلويين من سليمانيين و أدارسة في بادية المغربين الأوسط و الأقصى حيث اضطهدهم و آذاهم رجال عبيد الله من أصحاب الشيعة الإسماعليين الفاطميين.و في هذه الحقبة المضطربة انتشر التصوف كما انتشرت الزوايا على إثره، ومن جملتها زاوية عين الحوت؛ و واصلت مهمتها في بث القِيم الإسلامية بين الأهالي من البربر، و تعلمهم اللغة العربية، مع حفظ القرآن  وتعليم الشريعة المحمدية. لم تترك لنا الأخبار أي اسم علم من هذه الفترة، إذ كان التعليم يجري على طريق الشفهية في المساجد؛ و رغم أن الكتابة كانت منتشرة من عهد قديم إلا أن التركيز على الذاكرة كان السبيل المختار لحفظ كتاب الله الذي كان يشكل الوسيلة الوحيدة في بداية التكوين اللغوي لأناس لم تكن لهم معرفة بلسان العرب، و يذهب ابن خلدون في هذا المجال إلى أن يكتب فأما أهلُ المغرب فمذهبُهم في الولدان الاقتصارُ على تعليم القرآن فقط …لاًَ يخلطون ذلك بسِواهُ في شيء من مجالس تعليمهم…إلى أن يحذق فيه أو ينقطع دونَهُ. ثم يستطرد قائلا: فأفادهم [أي أهل المغربين] الاقتصارُُ على القرآن القصور عن ملكة اللسان جملة ولا دليل على ذلك إلا المنزلة السامية الرفيعة لحُفَّاظ القرآن في مجتمع مغربنا الإسلامي إلى وقتنا هذا.

و لا شك أن الصوفية لعبوا في هذا المجال دوْراً رئيسيا حيث كانوا يعطون لرسم القرآن وتلاوته قيمة ثقافية عظيمة يعتبرونها منهج الوصول إلى الفهم المباشر و العام لما في القرآن من إعجاز في تليين القراءة والكلام.و قد وجد البرابرة في الصوفية الأسوة التي تلائم طبيعتهم .

و لا ندري في الحقيقة إذا كان ا سم عين الحوت متداولا بين السكان منذ نشأتها، أي منذ أ ن استقر بها سليمان ابن عبد الله الكامل وابنه محمد و أعقابه، إلا أن ابن مريم يذكر في ترجمة أبي عبد الله الشريف أن مسقط رأسه بقرية العلويين، وهي عين الحوت حسب الأستاذ محمد بن رمضان شاوش وذلك تكريما لما عرف الأهالي من قرابة سكانها برسول الله صلي الله عليه وسلم، فاقتدوا بهم لما رأوا فيهم من حسن الخلق وطيب الفعل والمعاملة منذ نزل سليمان و إدريس، ولربما كذلك أخوهما يحيى بين أحضانهم/فكانوا يحترمونهم و يشرفونهم ويبجلونهم،

وكانت القبائل المهيمنة تجعلهم تحت رعايتها، وكثيرا ما صهروا فيهم.[47]

و استمرت الزاوية على نشاطاتها إلى أمرة بني عبد الواد وبني زيان حيث أعيدت للقرية ولأهلها المكانة اللائقة السامية مع سيدي عبد الله بن منصور الذي جمع شرفه وشرقهم؛ فأصبحت الزاوية من جديد مهدا للعلم والزهد ومركزا للعبادة، وقطبا للعلماء[48].

اشتهرت زاوية عين الحوت، فأصبحت مركزا منيرا للعلم والعمل، ومزار للعلماء  و طالبي المعرفة. ولا نطن أنها هيكلت و أقيمت على ميال الزوايا العادية حيث لم نعرف لها مباني إلا المساجد، ولا ترتيبات، ولا تنظيم كذلك المكان الذي يجتمع فيه الفقراء مع المقدم و الشيخ لاتخاذ الحضرة. إلا أنهم كانوا كسائر البلاد على مذهب إمامنا مالك و عقيدة الأشعري و طريقة الشاذلية حيث أن الشاذلي يجمع بين التصوف الفلسفي والتصوف السني كما رسمه سيدي أبي مدين الغوث،وتبعه في ذلك تلميذاه ابن عربي الحاتمي وعبد السلام بن مشيش[49].

و يمكن في المقابل اعتبار أبي الحسن الشاذلي أهم ممثل ـ في ميدان الأخلاق و التصوف ـ الدعوة        إلى الرجوع إلى الأخلاق الإسلامية، أي إلى القرآن والسنة…و هكذا صار الشيح الشاذلي يبين للناس ،و لعامتهم خاصة ـ إذ أن دعوته موجهة لهم قبل غيرهم ـ أنه يكاد يتعارض التصوف الحقيقي مع خرق العوائد ومع الزهد بالمعنى الصوفي القديم،إذ ليس التصوف كما يقول الشاذلي، بالرهبانية ولا بأكل الشعير والنخالة، وإنما هو الصبر على الأوامر و اليقين في الهداية، فجوهر التصوف ليس إذن في الرسوم و الأشكال، وإنما هو في النوايا و الأعمال؛ وخير العمل ما عم نفعه وسعي في وحدة المسلمين[50]

كل هذا نجده عند أولياء عين الحوت، وعند آخرهم المشهور محمد بن محمد بن علي بن العربي بن حمو بن عبد الله بن منصور المتوفي 1160/1761 الذي ترك لنا مؤلفا: في كيفية  دخول ضعفاء العوام ومساكين  الطلبة الذين لهم فليل الإلهام في دائرة أهل الإيمان [51] حيث لا يركز في كلامه إلا على القرآن و السنة ،معترضا للفلاسفة و المتكلمين، وغيرهم إلا أن أصحاب زاوية عين الحوت لم يُدينوا، لا سرا و لا علانية، الممارسات العادية المشاهدة في الزوايا، كما لخم ينهوا عنها أبدا، وإنما كان يوقرون ويحترمون، إن لم نقل يبجلون أهل الطريقة كلهم،كما كان هؤلاء من جهتهم يرقبون في زيارتهم في كل فرصة وفي كل موسم، إذ يعتبرون الجلوس لديهم1 من التبركات.

لقد انفردت زاوية عين الحوت فأصبحت مقرا للعلم و العبادة والزهد، فكان أصحابها يدرسون القرآن و علوم السنة ويعملون يهما؛ كانوا هكذا يجمعون بين العلم و العمل، فيسعوْن إلى معرفة الحق تعالي بالتأمل والنظر والتفكير في الخالق وما خلق؛ كانوا ثُقاة وَرَعة يتجردون عن أهواء النفس و حب الدنيا و إغواءها و يبتعدون عن مغريات السياسة و السلطة و لا يتعاونون مع الظلمة و المتجبرين، و لا يخافون لومة لائم ؛ قال سيدي محمد البكري:

 ليس التصوفُ لبسَ الثوب ترقعه ÷ و لا بُكاؤُكَ إن غنَّا المغنُّون

 ولا صياحٌ ولا رقصٌ ولا طربُ ÷ و لا تغاشٍ كأن صِرتَ مجنون

بـل التصوفُ أن نصفوَا بلا كـدرٍ ÷ و تتَّبعَ الحقَّ و القرآنَ و الدّْينا  

 وأن تُــرَا خـاشعا للــه مكتــئــبا ÷ على ذنوبك طول الدهر محزونا

كانوا مع ذلك يقرئون

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : إسلاميات, تصوفا, زوايا | السمات:, ,
أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر