لمحة تاريخية حول نشأة الزوايا للأستاذ عبد الرحيم بابا أحمد
كتبهامحمد فتحي ، في 29 يوليو 2008 الساعة: 19:41 م
بسم الله الرحمن الرحيم
وصلى الله على سيدنا وسندنا ومولانا محمد
وعلى آله وصحبه وسلم
يا فتّاح؛ يا عليم ؛ يا نور؛ يا هادي؛ يا حقّ؛ يا مبين ؛
افتح لي فتحاً تُنوّر به قلبي وتشرح به صدري ؛
واهدني إلى طريق ترضاه وبيّن لي أمري
اللّهمّ
اجعل ما أشاء موافقا لما تشاءُ ؛
كَيْ لا يصير ما أشاء مخالفًا لما تشاء
فمن أنا حتّى أشاء خِلافَ ما اللهُ يشاء
لو جاهد العبد وشاء،
ما كان إلاّ ما تشاء
فالطف بنا فيما تشاء
وما تشاؤون إلاّ أن يشاء الله ربّ العالمين
وبعد
فما يزال موضوع الزّوايا محلّ اهتمام العلماء والباحثين لما قدّمته من أعمال خيرية ووظائف علميّة وتربويّة وإصلاحيّة للمجتمع الإسلامي طُرًّا
فسنحاول من خلال هذه المداخلة القصيرة والمتواضعة أن نميط اللّثام عن بعض الجوانب منها
والزوايا جمعُ زاوية، واللفظ من حيث الاشتقاق مأخوذ إمّا من الانزواء، بمعنى الانقباض، لانقباضهم عن النّاس؛ أو من زاوية البيت، أي الناحية، لميلهم إلى البعد عن الناس والخفاء. ولقد كانوا، في زمن التابعين يسمّون العبّاد، وهم منسوبون على أرجح الأقوال إلى أهل الصفّة، الذين كانوا في عهد الرسول- صلّى الله عليه وسلّم-، قصروا أنفسهم على الطاعات ولا يرجعون إلى أهلٍ أو مال, فهم كما قيل : ضيوف الله والإسلام
قال التقي المقريزي في الخطط : ولاتخاذ الرُّبط والزوايا أصل من السنّة وهو أن النّبيّ-صلّى الله عليه وسلّم- اتّخذ لفقراء الصحابة الذين لا يأوون إلى أهل ولا مال مكاناً من مسجده كانوا يقيمون به عرفوا بأهل الصّفة
وعرّفها القاضي عياض بقوله: والصّفّة، بضم الصاد وتشديد الفاء، ضلّة في مؤخّر مسجد رسول الله-صلى الله عليه وسلّم- يأوى إليها المساكين وإليها ينسب أهل الصفة على أشهر الأقاويل؛ وكان الراتبون بها نحو الأربعمائة رجل منهم أبو هريرة وابن أمّ مكتوم وصهيب وسلمان وخباب وبلال وغيرهم
وكان رسول الله-صلى الله عليه وسلم- فيما رواه البخاري، إذا أتته الصدقة بعث إليهم-أهل الصفة- بها ولم يتناول منها شيئا، وإذا أتته هدية أرسل إليهم وأصاب منها وأشركهم فيها
وأخرج أبو نعيم في الحلية من طريق أبي هريرة: كنت من أهل الصفة وكنّا إذا أمسينا حضَرَنا رسول الله-صلى الله عليه وسلّم- فيأمر كلّ رجل فينصرف برجلين أو أكثر فيبقى من بقِيَ عشرة أو أكثر أو أقلّ فيؤتي النبي-صلّى الله عليه وسلّم- بعَشائه فيتعشّى معهم، فإذا فرغنا قال: ناموا في المسجد
وذكر ابن سعد- في الطبقات ج3ص71- أنّ القرّاء، في زمن الرسول-صلى الله عليه وسلّم- كانوا يقرؤون القرآن ويتدارسون بالليل، وكانوا بالنّهار يجيئونبالماء فيضعونه في المسجد ويحتطبون فيبيعونه ويشترون به الطعام لأهل الصفة والفقراء
ولقد نزل في حقّهم قرءان يتلى، فنزل في حقّ ابن أمّ مكتوم قوله سبحانه (عبس وتولّى أن جاءه الأعمى) وقال جلال الدين السيوطي في تكملته لتفسير جلال الدين المحلّي في قوله سبحانه (الذين أُحصِروا في سبيل الله) أنّها نزلت في أهل الصفة. ومعنى الذين أحصروا في سبيل الله أي حبسوا أنفسهم على الجهاد؛ وفي قوله (لا يستطيعون ضربًا في الارض) أي للتجارة والمعاش لشغلهم بالجهاد
ولقد ثبت أنّ الصوفيّة الكرام، هم الذين ورثوا أهل الصفة في الجلوس في المساجد والزوايا والربط
قال الأستاذ أبو عثمان سعيد بن ليون التجيبي في رسالته الإنالة العلمية: إنّ الفقراء المتجرّدين من الصّوفيّة هم الذين ورثوا أهل الصفة في الجلوس في المساجد والربط والتّجرّد وقلّة التّسبّب والناس ينكرون على الفقراء هذه الصفة، وهي السنة، لأنّ السنّة في عرف الشّرع، هو ما أقرّه عليه السلام أو عمله أو علّمه. وكان عليه السلام يحسن إليهم ويؤنسهم ولم يأمرهم بتكسّب
ويقول في محلّ آخر من رسالته: وفي الصحيح أنّ أهل الصّفّة لم يتسبّبوا ولا اشتغلوا بغير الذكر والفكر والقعود في المسجد؛ وكان القراء يخدمونهم والنبي-صلى الله عليه وسلّم- وأصحابه يطعمونهم؛ وقال لهم: ابشروا يا أهل الصفة
فترك التسبّب طريقة أقرّها النبي-صلى الله عليه وسلم-، ولم يصح أنّه أمرهم بالتسبب وإنّما أمرهم بالتّوكّل
ولقد ظهرت الزوايا في القرن الثالث الهجري. فكان عدد الطق السنية عشرة:
طريق الشيخ المحاسبي
وطريق الشيخ أبي صالح القصّار
وأبي يزيد البسطامي
والجنيد أبي القاسم القواريري
وأبي الحسن النوري
وأبي محمد سهل التستري
وأبي عبد الله بن خفيف
وأبي العبّاس السيّاري المروزي
ثمّ بعد انقراض زمن هذه الطبقة ومضيّ عصرهم، ظهرت طرق أربع
الطريقة الشاذلية، وتنقسم إلى جازولية وزروقية، وهي طريقة مولانا أبي الحسن الشاذلي -قدّس الله سرّه وعمّنا برّه
والطريقة القادرية وهي طريقة القطب الربّاني والغوث الصّمداني، مولانا عبد القادر الجيلالي-قدّس الله سرّه السبحاني
والطّريقة الرفاعية للقطب أحمد الرفاعي
والطريقة الغزالية للإمام أبي حامد الغزالي
وأكثر الطرق انتشارا بالمغرب العربي : الطريقة الشاذليّة
وكان أهمّ ما يميّز هؤلاء الشيوخ كلّهم الزّهد في الدنيا والورع والإعراض عن الملذّات، حتّى قال الشّاعر أبو العتاهيّة على لسانهم:
رغيف خبز بابس * تأكله في زاوية
وكوز ماء بارد * تشربه من صافية
وغرفة ضيّقة * نفسُك فيها خالية
أو مسجد بمعزِل * عن الورى في ناحية
تدرس فيه دفترا * مُستندًا بسارية
معتبرا بما مضى * من القرون الخالية
خير من الساعات في * فيء القصور العالية
تعقبها عقوبة * تُصلى بنار حامية
فهذه وصيتي * مخبرة بحاليه
طوبى لمن يسمعها * تلك لعمري كافية
فاسمع لنُصْحِ مُشفِقٍ * يدعى أبا العتاهية
وإنّ من أهمّ الوضائف المنوطة بالزاوية هي إرفاق الواردين وإيواء عابري السبيل والمساكين وإطعام المحتاج من القاصدين حتّى جاء في المثل: زاوية بلا عيش، بُنِيّت ليش؟ ؛ وأهمّ من هذا وذاك، هو العلم اللّدنّي الذي تحلّت به أخلاقهم، لا أعناقهم، وهم الذين ذكرهم الرسول-صلى الله عليه وسلّم- في حديثه الشريف، إذ قال: لا تجلسوا عند عالم-وفي رواية أخرى، عند كلّ عالم- إلاّ عالمٍ يدعوكم من خمسٍ إلى خمس: - من الشكّ إلى اليقسن ؛ ومن الرّياء إلى الإخلاص ؛ ومن الرّغبة إلى الرّهبة ؛ ومن الكبر إلى التّواضع ؛ ومن العداوة إلى النّصيحة.
وذكره الإمام علي بن أبي طالب-كرّم الله وجهه- في وصيّته لكميل إذ قال: القلوب أوعية، وخيرها أوعاها، يا كميل،؛ والرجال ثلاثة: عالم ربّاني، ومتعلّم على سبيل النّجاة، وهمج رعاع يتّبعون كلّ ناعق…إلى آخر الوصية
وهذا العالم الذي وصفه رسول الله-صلى الله عليه وسلم- هو من ضمن آلت العلم، إذ جعل القومُ آلات العلم أربعًا: شيخ فتّاح، وكتبٌ صحاح، وعقل رجّاح، ومداومة إلحاح - فهو أوّلُها
وقد تولّى العارف أبو مدين شعيب بالشّرح هذا الحديث وبيّن التّنزّلات السّتّ الواجب توفرها في هذا العالِمِ حتّى يوصف بالشيخ الكامل، القطب، الغوث
وقال القطب أبو الحسن الشاذلي: من أدّى هذا المقام، أي مقام القطبانية والغوثية، يَختبر بخمس عشرة كرامة، هي بمثابة شروطٍ اشترطها -رضي الله عنه-
والطّرق وإن كثرت وتنوّعت، فمردّها إلى قسمين وهما العلم والعمل. وللقوم في قطع مسافة النّفس والتوصّل إلى الحقيقة طريقان: طريق الجلا وهي طريق استعمال الرياضات لتزكية الأخلاق، والطريق الثاني وهو طريق البحث والاشتغال بالعلوم.
وقد بيّنهما العارف سيدي أحمد زروق في شرح المباحث الأصلية
فأهل طريقة الجلاَ يُشبّهون النّفس بالمرآة تارةً، ويمثّلونها بعين الماء تارة أخرى وهي التي قال فيها سيدي تاج الدين في بعض حكمه: كيف يشرق قلبٌ ثور الأكوان منطبعة في مرآته؟ أم كيف يرتحلُ إلى الله وهو مكبّل بشهواته، أم كيف يطمع أن يدخل حضرة الله وهو لم يتطهّر من جنابة غفلاته، أم كيف يرجو أن يفهم دقائق الأسرار وهو لم يتُب من هفواته؟
وأمّا الفريق الثاني، أهل طريقة البحث والاشتغال بالعلوم، فأنّهم عالجوا النّفس بطريق العلم والعمل، وجعلوا هذه الطّريقة أتمّ في تحصيل الكمال لأنّ العلمَ هو مفتاح الفتح لقوله-صلاى الله عليه وسلم-: العلم إمام العمل، والعمل تابعه ؛ وقال -عليه الصلاة والسلام- إنّما العلم بالتّعلّمن وإنّما الحلم بالتّحلّم؛ ومن يطلب الخير يُؤتَه، ومن يتّق الشّرّ يوقَهُ، ومن عمِل بما عَلِمَ أورثه الله علمَ ما لم يعلم.
وقال رسول الله-صلى الله عليه وسلّم- لا يقوم العلمُ بالعَالِمِ حتّى يعمل به
وفي حديث آخر: وَيْلٌ لمن لا يعلَمُ مَرَّةً، وويلٌ لمن يعْلم ثُمّ لا يعمل سبعين مرّة
والأحاديث ن في هذا الصّدد، كثيرة.
والعلوم التي يحتاج إليها المريد والواجب تعلّمها عند أهل هذا الطّريق أربعة على الأقلّ:
علم الذات والصفات، وعلم الفقه وعلم التفسير والحديث وعلم الحالات والمنازلات وما يجري فيها من الآداب والمنازلات. وهذا العلم الأخير هو الذي اختصّ به القوم، وهو مقام الإحسان الذي بيّنه رسول الله-صلى الله عليه وسلّم- لجبريل -عليه السلام- إذ قال له وقد جاء ليعلّم الصحابة دينهم: والإحسان أن تعبد الله كأنّك تراه، فإن لم تكن تراه فإنّه يراك.
والطّريق السنيّة قد جمعت كلّها بين طريق الجلاء وبين طريق البحث والاشتغال بالعلوم.
خلاصة القول، إنّ الزوايا قد أُنيط بها، منذ نشأتها، مهامّ نبيلة ووظائف كريمة، تتلخّص في إيواء الفقراء والمساكين وإرفاق الواردين، وإطعام المحتاج من القاصدين، وتعليم العلم وتربية الشبّان والصّبيان، لأنّ أخذ العلم والعمل عن المشائخ، أتمّ من أخذه دونهم، كيف لا، والصحابة أخذوا عنه -عليه الصلاة والسلام- وقد أخذ هو -صلّى الله عليه وسلّم- عن جبريل، واتّبع إشارته في أن يكون عبدًا نبيًّا، وأخذ التّابعون عن الصّحابة.
وفضل الشيخ على المريد أنّه يجمع له بين العلم والعمل ؛ إذ هما مرتبطان شديدَ الارتباط، حتّى قيل: علم بلا عمل، وسيلة بلا غاية ؛ وعمل بلا علم جناية.
وقيل: من لم يظهر له نتيجة عِلمِه في عَمَلِه، فَعِلْمُهُ عَليه، لا لهُ.
وفي الأخير، لا بُدّ من ربط الصّلة، أوثق صلةٍ، بالزاوية؛ لأنّها، إذا كانت بالأمس منارةً ومفخرةًن فَلِمَ لا تكون كذلك اليوم وغدا؟
اللّهمّ صلّي على سيّدنا محمّد وآله في الأوّلين والآخرين، وفي الملإ الأعلى إلى يوم الدّين.
اللّهمَ رَقِّنَا من دركات مقتنا إلى درجات كَمَالنا بك، وأيّدنا بك لك ، وانصرنا بك لك ؛ فإنّ رحمتَك وسِعَت كلّ شيء، وقدرتك استولت على كلّ شيء
اللهمّ أعِذنا من علمٍ يوجب البُعْدَ عَنك، ومن عَمَلٍ يوجب الطّردَ منك، واجعل أعظمَ النِّعمِ علينا، وأجسم المنن لدينا، يقينًا ترزُقُناه، وصدقًا تُوفِّقُوناه
اللّهمّ لا تؤاخذنا بكثرة أوزارنا، ولا تنزع نِعْمَتَكَ عنّا لقِلَّةِ شكرنا، ووفّقنا إلى الهخداية والصّواب، واهدنا لمتابعة السنّة والكتاب، فأنت رجاءنا وملجأنا، وعليك مُعَوَّلُنا وَتَوكُلَنَا؛ فاكتبنَا فيما مضى عبيدًا، عاصين ترحمُنا، وفيما بقي من أعمارنا عبيدًا طائعين تُكرمُنان إنّك أنت العالمُ بمصالحنا، والسّاترُ لقبائحنا، -وصلّى الله على سيّدنا محمّد وآله وصحبه وسلّم

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : إسلاميات, تصوفا, زوايا | السمات:إسلاميات, تصوفا, زوايا
أرسل الإدراج | دوّن الإدراج

























سبتمبر 17th, 2008 at 17 سبتمبر 2008 2:10 م
اشكرك كثيرا الاخ فتحي على هذا الاهتمام حقيقة الاضافات كانت رائعة جدا وكأن الحدث يتكرر امامنا . تقبل الله صيامكم