هذه الأرجوزة
للأستاذ عبد الإلــه قليل ابن شعبان التلمساني

أَفَلَتِ الوَحْشََةُ حَوْلَ أَفْلُو*وَبَزَغَ الأُنْسُ بِــــهَا لِيَحْلُو
آياتُ مَاضِيهَا الفِدَاءُ وَالوَفَاء * وَحُرْمَةُ العِلْمِ وَرَحْمَةُ الإِوَاء
هذه الأرجوزة
للأستاذ عبد الإلــه قليل ابن شعبان التلمساني

أَفَلَتِ الوَحْشََةُ حَوْلَ أَفْلُو*وَبَزَغَ الأُنْسُ بِــــهَا لِيَحْلُو
آياتُ مَاضِيهَا الفِدَاءُ وَالوَفَاء * وَحُرْمَةُ العِلْمِ وَرَحْمَةُ الإِوَاء
التجربة الصّوفيّة كمصدر لبناء مفهوم
حول الصّحّة النّفسيّة
ودور الزوايا في الحفاظ على الصّحّة النّفسيّة
للفرد والمجتمع
د. فقيه لعيد
جامعة أبي بكر بلقايد - تلمسان- الجزائر
http://www.mediafire.com/?2yhndq3w2aj
من بين الوظائف المتعددة التي تقوم بها الزاوية كمؤسسة وفقا لمرجعيّتها الصوفية الإسلامية، نجد الوظيفة التربوية الصحية التي تعتني بمساعدة الفرد وضبط سلوكه وتوجيهه وتقويمه في الحاضر بهدف تحقيق أفضل مستوى ممكن من الاستقامة كفرد صالح في المجتمع، يتحمل مسؤولياته ويعطي بقدر ما يأخذ، مستغلا طاقاته وإمكانياته إلى أقصى حد ممكن. وبذلك يهدف هذا الدور الذي تقوم به الزاوية إلى بناء الشخصية المتكاملة وإعداد الإنسان السليم نفسيا.
ترى الزاوية أن الحديث عن الإنسان المريض نفسيا وما توحي به أعراضه مرده إلى طغيان المبادئ النفعية، وانتشار القيم الحسية بين أفراد المجتمع التي تهمّش كل ما هو إنساني وأخلاقي وروحي، وتتجه فقط إلى الاستمتاع الحسي العاجل المباشر دون أن تراعي مبادئ الحق والخير والجمال. فأصبح الإنسان في ظل ذلك لا يرى من حوله سوى الفوضى والتشتت، وصعوبة إشباع الحاجات و الرغبات الذي يضاعف الشعور بالاستلاب و الاغتراب النفسي والاجتماعي. ولعل الدلالة التي تحملها مختلف الأعراض النفسية و العقلية ما هي في حقيقة الأمر إلا صرخة استغاثة لمن أصبح عاجزا عن تحديد هوية وجوده الفاعل نحو الآخرين. وما التجربة الصوفية التي تتبناها الزاوية إلا وسيلة لتنمية دوافع الهدى و السيطرة على دوافع الهوى، ولذلك أعطى مشايخ الزاوية على اختلاف طرقهم اهتماما كبيرا، لعمليات التعليم والتدريب والتوجيه أثناء عمليات السلوك الصوفي.
تمتاز الزاوية بنوع خاص من المعرفة الصوفية الإسلامية لا نجد لها نظير في الأنواع الأخرى من الفكر الإنساني، فهي تجعل الجسد و الروح يتواكبان في كل متكامل لتجسيد الحقائق الروحية، وبذلك يشكل التصوف الإسلامي منهجا تربويا وأخلاقيا و اجتماعيا بتعاليمه يسمو الفرد ويطمئن، وبمبادئه ترتقي الجماعة وتسود الألفة بين الأفراد .
- فيا ترى هل ما تزخر به الزوايا الجزائرية بمثابة الإطار المرجعي النظري و التطبيقي يمكن من خلاله بناء قواعد متينة لتأسيس مفهوم حول الصحة النفسية ؟
وهل يمكن ترجمتها على أرضية الواقع إلى درجة أن المواطن العادي يستفيد من مظاهرها؟
- ألسنا بحاجة إلى الجمال و المحبة للحد من بشاعة الأشياء ولإيقاف البربرية المعاصرة ؟
هذا ما يحاول البحث الحالي توضيحه من خلال التقرب إلى الزاوية الجزائرية كمؤسسة و استطلاع التراث الصوفي الإسلامي بها. فالدراسة الحالية تستهدف تحديد الإطار المعرفي العام لمفهوم الصحة النفسية ، ثم استخلاص مظاهر عامة مشتركة لها
يستند التصوف الإسلامي إلى القرآن الكريم و السنة النبوية كمصدرين أساسيين، باعتبارهما العقيدة والشريعة للدين الإسلامي. وقد كان لكلام الله أثره في دفع الشخصية المسلمة إلى التقرّب من الله بالعبادة والمجاهدة والاستقامة، ابتغاء وجه الله ومرضاته. كما كان للسيرة النبوية أثرها في حياة الصحابة، وشعلة أبدية في حياة المتصوفة، استصغروا الدنيا كما استصغرها صلى الله عليه وسلم، وناجوا ربهم كما ناجى ربه، وتطلعوا إلى حالة من الإشراق الروحي كما كان له صلى الله عليه وسلم. لقد كان لحديثه صلى الله عليه و سلم الوقع الكبير في نفوسهم، درسوها ظاهرا وباطنا، وحاولوا تطبيقها عمليا. يقول السهروردي (عوارف المعارف،1983،ص229) في هذا الشأن الصوفية أحيوا سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم لأنهم وقفوا في بداياتهم لرعاية أقواله، وفي وسط حالهم اقتدوا بأعماله فأثمر لهم ذلك إن تحققوا في نهايتهم بأخلاقه، وتحسين الأخلاق لا يأتي إلا بعد تزكية النفس، وطريق التزكية بالإذعان لسياسة الشرع.
من هنا نلاحظ أن الإسلام يعتبر المصدر الرئيس للتصوف، ومع التقاء الإسلام بثقافات الشعوب التي أسلمت، تأثر بتلك الثقافات، فأكسبته عناصر جديدة ساهمت في تطوره وبلورته وتنوعه.
النفس البشرية المذكورة في القرآن الكريم، ترتبط دوما بالإرادة الخيرة المتمثلة في تهذيب دوافع الإنسان الشريرة، على هذا الأساس وضع الله تعالى الضوابط والمعايير للنفس البشرية. إن تحريك الهمة أو الإرادة، يهدف إلى التحكم في الدوافع على أساس الشعور الخُلقي القائم على طهارة القلب، وصفاء العقل، وسلامة السريرة التي تميز بين النافع والضار.
لقد قامت الأخلاق الإسلامية لدى المتصوفة على أساس القرآن الكريم، والسنّة النبوية، اللذان يعكسان فطرة الإنسان في خدمة أخيه الإنسان، و استعداده للخير الفطري. من هنا نلاحظ أن الإسلام يعتبر المصدر الرئيس للتصوف، ومع التقاء الإسلام بثقافات الشعوب التي أسلمت، تأثر بتلك الثقافات، فأكسبته عناصر جديدة ساهمت في تطوره وبلورته وتنوعه. يرمي التصوف الإسلامي إلى تحقيق إنسانية الإنسان من خلال الأعمال الصالحة والأخلاق الحسنة التي يدعو إليها الدين الإسلامي الحنيف، والتي تنسجم مع واقع الإنسانية بفطرتها و طبيعة خصائصها. إن الأخلاق الإسلامية تعكس مكنون وأسرار الشخصية، سواء ما يتعلق بالناحية الجسمية، أو العقلية، أو النفسية والروحية. بما أن الأخلاق الإسلامية تمثل السمات التي تطبع سلوكات المتصوفة، فإن تهذيب الحاجات الإنسانية الروحية والمادية، وإفراغها في قالب المثالية الواقعية، تمثل الطريقة والمنهج الحياتي التي تقوم عليه.
مما سبق ذكره يتضح جليا أن الصحة النفسية حسب التصوف الإسلامي، تقوم على الأسس الأخلاقية. وبما أن الإسلام أرسى قاعدة الكليات الأخلاقية، الذي تنطلق منه الأفكار و الممارسات السلوكية كالإيمان والتوحيد والتقوى والإحسان وغيرها، فإن أهل التصوف حاولوا أن يعيشوها ويتذوقوها ويتمتعون بفوائدها، من خلال التجربة الصوفية التي تقتضي البلوغ، والحرية، والنيّة. إنها عبارة عن شروط تعبر عن النضج العضوي والاكتمال البيولوجي، والتّمتع بالحرية و الوعي التام بالفكرة، وصدق التوجه. ولذلك يستند التصوف الإسلامي في تحقيق أهدافه على التربية كممارسة فعلية للمجاهدة، و الرياضة النفسية، والتدريب، والتعليم. وهكذا تصبح الشخصية الصوفية تتميز بسمات و خصائص روحية و فكرية و أخلاقية تعبر عن قيم عملية تتجلى في مختلف المقامات كما يؤكد ذلك سفيان بن عيينة (عوارف المعارف،1983،ص29) أجهل الناس من ترك العمل بما يعلم ، و أعلم الناس من عمل بما علم، و أفضل الناس أخشعهم لله تعالى. على هذا الأساس أهتم التصوف بالعوامل النفسية التي تختلج في نفس الإنسان، و يؤكد لنا ذلك السهروردي (عوارف المعارف،1983،ص34) حينما يقول: علم النفس ومعرفتها من أعز علوم القوم، و أقوم الناس بطريق المقربين و الصوفية أقومهم بمعرفة النفس، وعلم معرفة أقسام الدنيا، ووجود دقائق الهوى و خفايا شهوات النفس و شرهها و شرها، وعلم الضرورة و مطالبة النفس بالوقوف على الضرورة قولا وفعلا ولبسا وخلعا وأكلا ونوما. من خلال هذا التعريف لعلم النفس نستنتج أن التصوف الإسلامي لا يركز فقط في تعاليمه على تنظيم السلوك الظاهري للفرد، و إنما ينفذ إلى أعماق الإنسان الروحية ليوازن بين المحتوى الداخلي للنفس البشرية، وما يرسمه من سلوك خارجي ينسجم ويتوافق مع مكونات الإنسان.
لقد تناول التصوف الإسلامي النفس البشرية بنظرة شمولية واضحة، تعترف بالواقع الإنساني كما هو، من حيث القوى التي تتجاذبه، فهو يؤيد و يقرر التلاحم الضروري بين الحياة و الموت.
إن سلامة الشخصية وصلاحها لا يرتبط بإرضاء الرغبات والغرائز، فليست الصحة النفسية مرادفة لتحقيق اللذة والشهوة، لأن ملذات الحياة أمور شخصية، وقد تتعلق بأمور لا نفع فيها ولا جدوى، بل فيها الضرر الكبير، وأنها خاضعة لمجرد الرغبة من غير تقدير عقلي. الرغبات الحسية في أكثر أحولها تدفع إلى اضطراب الشخصية إذا سيطرت على نفسية الإنسان، وأصبحت همه وهاجسه الوحيد. وإذا كان إرضاء الرغبات والغرائز في موقع الرفض من المنظور الصوفي الإسلامي، فإنما ذلك يكون إذا تحكمت في العقول، وسيطرت على النفس. أما إذا وُجهت هذه الغرائز نحو تلبية حاجات النفس، و خاضعة لمنطق العقل وليست هدفا و غاية ينشدها الإنسان في هذه الحياة، ساهمت مساهمة فعالة في توازن الشخصية، وزادت من قوتها.
إن التصوف الإسلامي الأخلاقي لم يمنع إرضاء الرغبات، وتلبية الحاجات، بل قام بتنظيمها وفقا لمبادئ الشرع و العقل معا، وما يوجبه ضبط النفس. ولذلك قال الرسول صلى الله عليه وسلم: لا يؤمن أحدكم، حتى يكون هواه تبعا لما جئت به، أي تكون منظمة وفقا لأحكام العقل أو الضمير الإنساني، أي تتفق مع قوى الإرادة الإنسانية. هذا الحديث يقودنا إلى احترام الشخصية الإنسانية بحكم أن الصحة النفسية لا تكون إلا مع الحرية والضبط الذاتي.
بما أن علم الصحة النفسية يجمع بين العلوم التقريرية والعلوم المعيارية، فإن مجال دراسة سلوكات الإنسان كما يجب أن تكون، لكي تتلاءم مع المصلحة الإنسانية وتحقيق السعادة التي هي غاية الإنسان، تمثل نواة التصوف الإسلامي، وبالتالي إنها تتفق إلى حد بعيد مع الهدف الذي تصبوا الصحة النفسية لتحقيقه.
على ضوء ما سبق ذكره نجد أن الشق الأخلاقي من التصوف الإسلامي، يشترك في كثير من أهدافه مع الصحة النفسية وإن يختلفا في بعض وسائل تحقيق نفس الهدف، الذي يتمثل في بناء الشخصية المتكاملة بطريقة يشعر فيها بالسعادة والصحة والتوافق النفسي. الغاية القصوى التي يسعى إلى تحقيقها التصوف الإسلامي، تكمن في تغيير سلوك الإنسانية من أدرانها الفاسدة، حتى تشعر بالسعادة التي هي غاية الإنسان. إن الكثير من الاضطرابات النفسية التي يعاني منها الفرد، تعد نتيجة حتمية لضغوط العصر، وانعدام الوعي الأخلاقي، فأصبح الفرد عرضة للكثير من الضغوط الثقيلة التي تؤرقه، وتسبب له الكثير من الإزعاج وعدم الارتياح، وفقدان الأمن والاستقرار في ظل الرفاهية المادية، والتطور المدهش للتكنولوجيا الحديثة.
إن اختلاف السلوكات الإنسانية من فرد إلى آخر، و من مجموعة إلى أخرى، و من مجتمع إلى آخر، سببا من أسباب الاختلاف في الرؤى والمنهج والأسلوب. ولا يكون السلوك شاذا إلا إذا هبط هؤلاء الأفراد إلى درجة الحيوانية وأطلقوا العنان لغرائزهم، فيصبح همّ كل واحد منهم تلبية رغباته ونزواته ولو على حساب الآخرين، حينها تصطدم رغباته مع رغبات الآخر الذي استجاب هو الآخر لنزواته، وكل يحب لنفسه الاستيلاء على أكبر قدر من المطالب والوصول إلى أقصى حد من الغايات، فيسيطر منطق الغاب، ويشتد التنافس بين الأفراد والجماعات، وتتضاعف الحاجات والمطالب التي تتجاوز طاقات الفرد و قدراته، مما يؤدي إلى انهيار البعض أمام ضغوطها، وينحرف على إثرها البعض الآخر. بينما لو تفحصنا مبادئ التصوف الإسلامي نجدها قد جعلت كل السلوكات تنتهي عند خدمة الجماعة الإنسانية وبذلك تتحد الغايات والأهداف.
يرى الصوفية أن الرسالة المحمدية عاملت جميع الأجناس وعممت فيهم أحكامها بهدف إصلاح الجميع، وبيّن الله سبحانه وتعالى أن أصل التكوين الإنساني واحد، وأن الطبيعة الإنسانية واحدة، فيجب أن تكون المعاملة الإنسانية واحدة،و التكليف واحدا مصداقا لقوله تعالى من سورة البقرة، الآية رقم 213: كَانَ النَّاسُ أُمَةً وَاحِدَةً فَبَعَتَ الله النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِيْنَ وَمُنْذِرِينَ، وَأَنزَلَ مَعَهُمُ اَلْكِتَابَ بِاَلْحَقِ لِيَحْكُمَ بَيْنَ اَلنَّاسِ فِيمَا اُخْتَلَفُواْ فِيهِ، وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلاَّ الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَآءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ، فَهَدَى الله الّذِين ءَامَنُواْ لِمَا اُخْتَلَفُواْ فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَالله يَهْدِي مَن يَشَآءُ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ
تنظر مدرسة التصوف الإسلامي للإنسان نظرة شمولية، تضع بعين الاعتبار التفاعل القائم بين
http://www.youtube.com/watch?v=t4JukYs8Shw