تقديم رسالة عمل اليوم والليلة لسيدي محمد بن عبد الكريم المغيلي

كتبها محمد فتحي ، في 29 يوليو 2008 الساعة: 19:46 م

محمّد بن عبد الكريم المغيلي التلمساني

عَمَلُ اليَوْمِ وَاللَّيْلَةِ

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

صَلَّى اللهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَءَالِهِ وَصُحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا

الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ

وَالصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ الأَتِمَّانِ عَلَى خَيْرِ خَلْقِ اللهِ مُحَمَّدٍ بْنِ عَبْدِ اللهِ

 وَعَلى ءَالِهِ العِلِّيِّينَ وَأَصْحَابِهِ أَجْمَعِينَ.

أَمَّا بَعْد،

فَيَقُولُ عُبَيْدُ اللهِ المُعْتَصِمُ بِاللهِ
مُحَمَّدُ بْنِ عَبْدِ الكَرِيمِ المَغِيلِي التِّلِمْسَانِي المَالِكِي
رَحِمَهُ اللهُ وَبَارَكَ عُمْرَهُ

هَذِهِ جُمْلَةٌ مُبَارَكَةٌ فِي عَمَلِ اليَوْمِ وَاللَّيْلَةِ ؛

مَنْ عَمِلَ بِهَا فَقَدْ حَازَ فَضْلاً عَظِيمًا وَهُدِىَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا.

فَأَوَّلُ ذَلِكَ :

- فَإِذَا اسْتَيْقَضْتَ مِنْ نَوْمِكَ أَنْ تَقُولَ :

لاَ إِلَـهَ إِلاَّ اللهُ، مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ، وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ وَلَهُ الحَمْدُ، يُحْيِي وَيُمِيتُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٍ. الحََمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَحْيَانِي بَعْدَ مَمَاتِي وَإِلَيْهِ النُّشُورُ.

وَتَذْكُرْ بِيَقْظَتِكَ مِنْ نَوْمِكَ، إِحْيَاؤُكَ بَعْدَ مَوْتِكَ. فَإِنَّ اليَقْظَةَ مِنَ النَّوْمِ مُشَبَّهَةٌ لِلْحَيَاةِ بَعْدَ المَوْتِ.

 

-   فَإِذَا أَرَدْتَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَضْجَعِكَ وَأَثْبَتْتَ، فَجَلَسْتَ وَأَنْتَ تَقُولُ :

أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللهِ التَّامَّاتِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ  (ثَلاَثُ مَرَّاتٍ)

بِسْمِ اللهِ الَّذِي لاَ يَضُرُّ مَعَ اسْمِهِ شَيْءٌ فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي السَّمَاءِ وَهُوَ السَّمِيعُ العَلِيمُ (ثَلاَثُ مَرَّاتٍ)

-   فَإِذَا أَرَدْتَ أَنْ تَلْبِسَ ثِيَابَكَ قُلْتَ :  بِسْــــمِ اللهِ

نَاوِيًا بِذَلِكَ اِمْتِثَالُ أَمْرِ رَبِّكَ فِي سِتْرِ العَوْرَةِ وَأَخْذِ الزِّينَةِ.

-   ثُمَّ تَسْتَاكُ نَاوِيًا بِذَلِكَ امْتِثَالُ الاِقْتَدَاةِ بِسُنَّةِ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ –صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-

-   ثُمَّ تَذْهَبُ لِقَضَاءِ الحَاجَةِ نَاوِيًا بِذَلِكَ لِتَفَرُّغِ عَنِ الشَّوَاغِلِ وَطَرْحِ الخَبَائِثِ تَأَدُّبًا لِلصَّلاَةِ.

-   فَإِذَا جِئْتَ بِمَكَانِ قَضَاءِ الحَاجَةِ قُلْتَ :

أَعُوذُ بِاللهِ مِنَ الخُبْثِ وَالخَبَائِثِ

وَتَدْخُل مُقَدِّمًا لِلرِّجْلِ اليُسْرَى وَلاَ تَكْشِفْ عَنْكَ السِّتْرَ حَتَّى تَجْلِسَ وَتَعْمَدَ فِي جُلُوسِكَ عَلَى رِجْلِ اليُسْرَى. وَلْيَكُنْ مَعَكَ مَا تُزِيلُ عَنْكَ بِهِ الأَذَى مِنْ مَاءٍ أَوْ حَجَرٍ أَوْ غَيْرِهِمَا.

وَعَلَى كُلِّ حَالٍ تُنَظِّف مِنَ النَّجَاسَاتِ مِمَّا أَمْكَنَكَ مِنْ غَيْرِ حَرَجٍ وَلاَ إِسْرَافٍ.

فَإِذَا قَضَيْتَ حَاجَتَكَ خَرَجْتَ مُقَدِّمًا الرِّجْلِ اليُمْنَى وَقُلْتَ

الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي سَوَّغَنِي طَيِّبًا وَأَخْرَجَ عَنِّي خَبِيثًا

-   ثُمَّ تُحَمَّد لِلطَّهَارَةِ نَاوِِيًا بِذَلِكَ التَّنْظِيفَ لِلْوُقُوفِ بَيْنَ يَدَيَ اللهِ المَلِكِ الجَبَّارِ رَاجِيًا مِنْ فَضْلِهِ أَنْ يَحُطَّ عَنْ ظَهْرِكَ الأَوْزَارَ وَأَنْ يَمْلَأَ قَلْبَكَ بِالأَنْوَارِ.

-   ثُمَّ يَأْتِي فِي الطَّهَارَةِ الشَّرْعِيَّةِ بِفَرَائِضِهَا وَسُنَنِهَا وَفَضَائِلِهَا.

فَإِذَا فَرَغْتَ رَفَعْتَ طَرْفَكَ إِلَى السَّمَاءِ وَقُلْتَ  :

أَشْهَدُ أَنْ لاَ ِإلَهَ إِلاَّ اللهَ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ

وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ

-   ثُمَّ تَقْصُدْ ِإلَى المَسْجِدِ مَاشِيًا بِالسَّكِينَةِ وَالوِقَارِ، نَاوِيًا بِذَلِكَ التَّقَرُّبَ إِلَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ بِإِظْهَارِ الشِّعَارِ.

  *فَإِذَا جِئْتَ المَسْجِدَ دَخَلْتَ مُقَدِّمًا رِجْلَكَ اليُمْنَى مُعَظِّمًا لِبَيْتِ اللهِ الحَرَامِ، مُنَزِّهًا لَهُ عَلَى كُلِّ مَا لاَ يَحِلُّ بِالاِحْتِرَامِ. فَلاَ تَضَع فِيهِ سَرَاوِيلَ وَإِنْ كَانَ طَاهِرًا، وَلاَ تَرْفَعْ فِيهِ صَوْتَكَ وَلَوْ بِذِكْرِ اللهِ وَالصَّلاَةِ وَالسَّلاَمِ عَلَى رَسُولِ اللهِ.

وَلْتَكُنْ فِيهِ عَلَى هَيْئَةِ مَنْ يَعْلَمْ أَنَّهُ بَيْنَ يَدَي اللهِ فِي بَيْتِ اللهِ.

فَإِذَا أُقِيمَتِ الصَّلاَةُ، فَقُمْ لِلَّهِ قِيَامَ مَنْ أَقْبَلَ عَلَى مُنَاجَاتِ رَبِّ الأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتِ.

 *فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاَةُ، فَلاَ تَعْجَلْ بِالقِيَامِ، فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَدَمِ الاِحْتِرَامِ . وَاقْرَأْ ءَايَةَ الكُرْسِيِّ، وَاذْكُرِ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ إِلَى طُلُوعِ الشَّمْسِ وَحَلَّ لَكَ النَّافِلَةُ.

  *فَإِذَا حَلَّتِ النَّافِلَةُ، رَكَعْتَ مَا تَيَسَّرَ. ثُمَّ تَنْظُرْ مَا هُوَ الأَهَمُّ بِكَ مِنْ أَمْرِ دِينِكَ وَدُنْيَاكَ. فَتَبْدَأُ بِالأَهَمِّ، أَيْ الآخِرَة ؛ فَالأَهَمُّ أَيْ الدُّنْيَا.

 *فَإِذَا ظَهَرَ لَكَ مُهِمٌّ، فَأَرَدْتَ أَنْ تَخْرُجَ لَهُ نَوَيْتَ فِي خُرُوجِكَ بِأَنْ تَأمُرَ بِالمَعْرُوفِ وَتَنْهَى عَنِ المُنْكَرِ، وَتَنْصُرَ المَظْلُومَ، وَتُمِيطَ الأَذَى عَنِ الطُّرُقَاتِ، وَتَقُومَ بِحَقِّ اللهِ فِي جَمِيعِ الجِهَاتِ.

وَمِنْ أَهَمِّ ذَلِكَ أَنْ تَحْفَظَ نَظَرَ العَوْرَاتِ وَالنِّسَاءِ الأَجْنَبِيَّاتِ وَإِنْ كُنَّ مِنْ أَقْرَبِ أَقَارِبِكِ ؛ وَتَحْفَظْ طَرْفَكَ بِالسَّكِينَةِ مِنْ تَرْكِ كَثْرَةِ الاِلْتِفَاتِ، وَلْيَكُنْ نَظَرُكَ لِلأَرْضِ أَكْثَرَ مِنْ نَظَرِكَ إِلَى السَّمَاءِ.

وَمِنْ أَهَمِّ ذَلِكَ أَنْ تَحْفَظَ لِسَانَكَ عَنْ فُضُولِ الكَلاَمِ ؛

وَأَنْ تَفْشِي السَّلاَمَ إِلاَّ، عَلَى أَهْلِ البِدَعِ وَالآثَامِ فَإِنَّ السَّلاَمَ مَنْ سَلَّمَ عَلَى البِدَعِ ؛ أَوْ ظَالِمٍ فَقَدْ نَقَضَ عَهْدَهُ مِنَ اللهِ تَعَالَى، إِلاَّ أَنْ تَدْعُوَهُ إِلَى ذَلِكَ ضَرُورَةٌ مِنْ خَوْفٍ أَوْ طَمَعٍ فِي صَلاَحِ المُسْلِمِينَ ؛

وَمِنْ رُؤُوسِ الظَّالِمِينَ عُلَمَاءُ السُّوءِ الَّذِينَ يَفْتُونَ بِالشَّوَاذِ وَيَفْتِنُونَ العِبَادَ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ مَنَ ءَامَنَ بِهِ ؛  

وَمِنْ رُؤُوسِ الظَّالِمِينَ بِإِجْمَاعِ المُسْلِمِينَ، جَمَاعَةُ العَشَّارِينَ وَجَمَاعَةُ المَكَّاسِينَ ؛

وَمِنْ رُؤُوسِ المَكَّاسِينَ، مَنْ يَأْخُذُ الصَّدْرَ أَوْ غَيْرَهُ مِنَ الجَزَّارِينَ، وَِإنْ كَانَ مِنَ الفُقَرَاءِ وَالفُقَهَاءِ وَالشُّرَفَاءِ وَالسَّلاَطِينَ ؛

وَمِنَ الظَّالِمِينَ جَمَاعَةُ المُسَوِّسٍِينَ فِي النِّيَّةِ وَالطَّهَارَةِ، لِأَنَّهُ غُلُوٌّ فِي الدِّينِ.

 *فَإِذَا دَخَلْتَ ِإلَى مَنْزِلِكَ، دَخَلْتَ مُقَدِّمًا بِرِجْلِكَ اليُمْنَى وَأَنْتَ قَائِلٌ :

بِسْمِ اللهِ ؛ مَا شَاءَ اللهُ ؛ لاَ قُوَّةَ إِلاَّ بِاللهِ.

وَتَدْخُلُ مُشْفِقًا مِنْ عَذَابِ اللهِ، رَاحِمًا لِأَهْلِكَ مُسَلِّمًا لَهُمْ بِرِفْقٍ مَا يَحْتَاجُونَ ِإلَيْهِ مِنْ أَمْرِ دِينِهِمْ وَدُنْيَاهُمْ.

 *فَإِنْ خَرَجْتَ لِاكْتِسَابِ مَا تَنْفِقُهُ عَلَى نَفْسِكَ أَوْ عِيَالِكَ أَوْ عَلَى إِخْوَانِكَ أَوْ فِي حَقِّ لَزَمِكَ أَوْ نَدَبْتَ إِلَيْهِ، فَاقْصُدْ بِذَلِكَ كُلَّهُ وَجْهَ اللهِ تَعَالَى وَامْتِثَالَ أَمْرِهِ، وَطَلَبَ مَرْضَاتِهِ مُوَكِّلاً فِي ذَلِكَ عَلَى رَبِّكَ لِيُحَصِّنَ صَنْعَتَكَ وَمَعْرِفَتَكَ، مُجْتَنِبًا لِلشُّبُهَاتِ. فَإِنَّ اجْتِنَابَهَا إِبْرَاءٌ بِدِينِكَ وَعِرْضِكَ. وَأَكْثِرْ مِنْ ذِكْرِ اللهِ سُبْحَانَهُ، لاَسِيَمَا فِي السُّوقِ وَأَمَاكِنِ الغَفْلَةِ. فَإِنَّ ذِكْرَ اللهِ فِي الغَافِلِينَ كَالشَّجَرَةِ الخَضْرَةِ فِي وَسَطِ الخَشِيمِ. وَتَجْتَنِبْ الخَوْضَ مَعَ أَرْبَابِ الأَشْوَاقِ فِيمَا يَخُوضُونَ فِيهِ. وَلاَ تَشْتَغِلْ بِدُنْيَاكَ عَنْ مَوْلاَكَ.

 *وَإِنْ غَدَوْتَ طَالِبًا لِلْعِلْمِ، فَاقْصِدْ بِطَلَبِهِ وَتَعَلُّمِهِ أَنْ تَسْتَقِيمَ فِي نَفْسِكَ وَت

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

رسالة الزوايا ومساهمتها في العمل الإسلامي المنشود للشيخ المأمون القاسمي الحسني

كتبها محمد فتحي ، في 29 يوليو 2008 الساعة: 19:35 م

بسم الله الرحمن الرحيم                             الحمد لله

والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وعلى آله وصحبه

ومن اهتدى بهداه

 
الرابطة الرحمانية للزوايا العلمية     

     مؤسسة الزاوية القاسمية   الهامل         

الرئيس

خادم العلم الشريف في المقام القاسميّ

محمد المأمون مصطفى القاسمي الحسني

جمادى الأولى 1429هـ مايــو    2008م   ّ

رسالة الزوايا

 ومساهمتها في العمل الإسلامي المنشود


 بين يدي البحث:    

  الزوايا التي نعنيها بحديثنا؛ وهي موطن رسالتنا وموضوع اهتمامنا، هي الزوايا الأصيلة، التي أسّست على التقوى، من أوّل يوم، لإقامة دين الله، وتعليم كتابه، ونشر دعوته، وإصلاح النفوس بهدايته.

 الزوايا التي نعنيها: سندها الرّوحي متصّل بالطريقة الصوفية، وإجازتها العلمية من الشيوخ المشهود لهم بالمرجعية؛ ولايتصدّر لعمارتها إلاّ من تطهّر وتدثّر بالتقوى والعلم، وطهارة القلب والضمير، ونظافة اليد واللّسان، وكانت هجرته لله، رجاء ثواب الله.

فالزّوايا بيوت القرآن، رسالتها ربانية، عمادها العلم والمعرفة؛ ونهجها سلوك الطريق، باستقامة واعتدال، بعيدا عن سبيل الانحراف والضلال. يعمرها الصالحون من رجالها، المؤهلون لرسالتها، يبتغون فضلا من الله ورضوانا.

 أما التي سمّت نفسها زاوية، منتحلة صفتها؛ ولاهمّ لها إلاّ الحياة الدنيا ومتاعها؛ أو التي انحرفت عن سبيلها، ولا أثر للصلاح في أعمالها، فلا نعدّها منها، ونتبرّأ من حالها، ومن ممارسات المبطلين فيها.

الزوايا، في تقديرنا، هي هذه المؤسسة الحضارية التي تعدّ قلاعا حصينة للإسلام، ومعاهد تليدة لعلوم شريعته؛ حفظت لأمتنا قيمها الروحية والوطنية؛ وحمت شعبنا من مخاطر التنصير والتّغريب ، وحصّنت الأجيال من عوامل المسخ والذوبان، ووقفت سدّا منيعا في وجه مخطّطات الاحتلال.

 إنّ هذه المعاقل الحضارية هي التي تخرّج منها العلماء والفقهاء والدعاة؛ فمثّلوا في المجتمع قيم الإسلام ومبادئه، في شموله وتوازنه، وفي وسطيته وسماحة دعوته؛ وذادوا عن عقيدة الأمّة؛ ونافحوا عن قيمها وأخلاقها الإسلامية؛ وانطلق منها قادة الجهاد وطلائع المجاهدين؛ فقادوا المقاومة، وخاضوا معارك الجهاد، من عهد الأمير، إلى ثورة التحرير. جعلوا غايتهم تطهير الأرض من دنس المحتلّين؛ وبذلوا مايملكون في سبيل الله، إعلاء لكلمة الله.

رسالة الزوايا حضارية، ودعوتها شاملة شمولية دعوة الاسلام؛

 إنّ رسالة الزوايا، كما يتّضح لكل دارس نزيه، رسالة شاملة شمولية هذا الدين. إنها رسالة حضارية، ارتبط  بها تاريخ الجزائر العلمي والثقافي، وتاريخها الوطنيّ الجهاديّ، ارتباطا وثيقا. فلم يقتصر دورها على التربية والتعليم؛ بل كانت وظائفها أشمل، وأعمالها أعمّ وأوسع. فهي معقل تربية وجهاد، ومعهد علم وعمل، وموطن تلاوة وذكر، ومجلس إصلاح وقضاء، ومكان رأي ومشورة، وملتقى تعاون وتكافل. ومن أهمّ مجالات رسالتها لقاءات المؤمنين في رحابها، وقد تآلفت أرواحهم، والتفّت حولها قلوبهم، في تراحم وتآزر، وتعاطف وتضامن، إخوانا في الله متحابّين، متماسكين تماسكهم في الصلاة، في بيوت الله؛ يجدون في ساحتها السكينة والطمأنينة؛ ويسمعون من منبرها الموعظة الحسنة، والكلمة الهادية. وكم دخلها أناس متخاصمين متنازعين، فخرجوا منها متصالحين متسامحين.!

لقد ارتبطت قلوب الجزائريين بالزوايا، وتآلفت بدعوتها أرواحهم، وصارت جزءا من وجدانهم. فعلى الرغم من الضغوط الممارسة عليها، والعوامل المناوئة لرسالتها، مازالت تحتلّ مكانة متميّزة في نفوس الجماهير المؤمنة، وتحظى بثقتهم. يحتكمون إليها؛ ويطمئنون لرأبها، ويستجيبون لدعوتها؛ لأنهم لايجدون في رحابها إلاّ صلاحا وفلاحا، ومثابة وأمنا. تصلح فساد القلوب، وتزيل الضّغائن من النفوس؛ وتطفئ نار الفتن والخصومات؛ وتحكم روابط الألفة والأخوّة بين الناس.  وتساهم في إصلاح أحوال الأمّة، وجمع كلمتها، وتعزيز وحدتها وتلاحمها.

 ومع أهمية هذه الرسالة في حياة الأمّة؛ مازال البعض يقلّل من شأنها، ويحاول النيل من مصداقيتها، ولا يقيم وزنا لأبعادها، ولا لدورها في حفظ كيان الأمة وضمان تماسكها، وتعزيز وحدتها الجامعة.

   ولاشكّ أنّ هذه المنارات القرآنية، مثلما يؤجر من شيّدها، وساهم في عمارتها؛ كذالك يأثم من لايرعى حرمتها، أو يسعى لإطفاء نورها، أو تحريف مقاصدها.

حضرات السادة والسيدات؛

لقد عمل البعض لإنهاء دور الزوايا، بتعطيل التعليم الشرعي فيها؛ وحاولوا عزلها عن محيطها الاجتماعي، وعمقها الشعبي؛ وسعوا للقضاء على عناصر وجودها ومواردها، بمصادرة أوقافها. والنتيجة عشناها؛ ومازلنا نعيش آثارها السيئة: الفراغ الروحيّ، والاغتراب الثقافيّ، والغلوّ في الدين، وسوء الفهم للإسلام ومقاصد شريعته السمحة، وطغيان الحياة الماديّة، وانحسار القيم والأخلاق الإسلاميّة. فعرفت طائفة من شباب الأمّة ظاهرة الغلوّ والتشدّد وتجاوز الاعتدال؛ وأصيبت أخرى بآفة الانغلاق الفكريّ المفضي إلى الجمود؛ وزعم البعض أنّهم يصدرون عن العقيدة السلفية، وهم في الواقع يتّبعون منهجا لم يصدّر فكره للأمة سوى جفاف الأرواح، واختلاف القلوب، فضلا عن تزهيد طائفة من المسلمين في قدوتهم، وحجبهم عن مصادر النور كيلا ينفذ إلى قلوبهم.

وفي المقابل، راح البعض يعمل، بدون وعي وسوء تقدير،لإشاعة وسائل اللهو واللعب؛ بعنوان ترفيه الشباب وملء فراغه، وكانت في الواقع وسائل إلى حياة السّلبية والانحلال، وطريقا إلى عالم المجون والمخدّرات؛ فكان حال هؤلاء  كالمستجير من الرمضاء بالنار؛ وشر البليّة عمى بعد البصيرة، وضلال بعد الهدى!

 وهكذا؛ في ظل الفراغ الروحي، والانحطاط الثقافي؛ وفي غياب مؤسّسات تربوية وروحية تهدي الأفكار الضالة، وترشّد العقول التائهة؛ تسللت إلى مجتمعنا آيادي الهدم، وتيارات التفرقة، فانحرف مجتمعنا عن طريق الرشاد، وحرم كثير من أبنائه الرؤية الصحيحة؛ و مرضت القلوب، وجفّت ينابيع الخير في النفوس؛ وأصبح البعض إلههم هواهم، وشريعتهم شهواتهم؛ وانتشرت روح اللامبالاة والسلبية، وسادت الأنانية والنزعة الفردية؛ وزادت العناية بمظاهر الترف والعادات الاستهلاكية؛ وزهد كثير من الشباب في حياة الجد والعمل والإنتاج؛ وراحوا يجرون وراء الربح السهل والكسب السريع، بالوسائل المشروعة وغير المشروعة؛ وتلوثت الأيدي والضمائر، وفسدت الذمم؛ وكان ماكان من أمرنا، في هذا الواقع السيّء الذي عشناه في وطننا.وكذالك يكون الحال، عندما يعمّ الفراغ،فينتشر الجهل ويسود؛ والجهل ساحته ظلام، وعالمه انحراف وضلال!

 من أجل تفعيل دور الزوايا ومساهمتها في بناء الحياة الإسلامية المتوازنة، والشخصية الاسلامية السوية المتكاملة.

إذا كانت الزوايا قد أدّت رسالتها في الماضي ، بالوسائل المتاحة، وحسب الظروف والأوضاع والإمكانات،فإنّ المطلوب منها اليوم، أكثر من أي وقت مضى، أن تنهض برسالتها، على أحسن وجه مستطاع. ولهذه الغاية كانت جهودنا متواصلة، منذ سنوات، من أجل تفعيل دور الزوايا، لتستمرّ في الدعوة إلى سبيل الله، على منهج الله، وتواصل أداء رسالتها في هداية الناس وإصلاح نفوسهم ، وتوجيههم إلى مافيه صلاحهم  في الدنيا والآخرة.

إنّ التربية الروحية من أهمّ شعب رسالة الزوايا، لأنّ هذه التربية الايمانية هي التي تغذّي مشاعر الأخوة والمحبّة والرحمة، وترسخ قيم التعاون والتضامن والتكافل. التربية الروحية هي التي تجعل المؤمن يحرص على كمال عبادته، ليزداد قربا من الله، ويحظى بمحبّته، ويفوز برضوانه. وكمال العبادة وصدقها تتجلّى ثمارها في حسن الأخلاق، وفي السلوك الفرديّ والجماعي واتّزان القيم والموازين. فالميزان الذي لايخطىء في معرفة صحّة العبادات وصدقها، هو ماتثمره في الحياة الخاصّة والعامة، من صفاء ورحمة وإحسان، وأخوّة وإيثار؛ ووضع مصلحة الأمة فوق كل اعتبار.

إنّ مجتمعنا أحوج مايكون إلى البعد الروحي، ليحقّق توازنه، ولتستقيم أحواله. وإنما تكفل هذه الحياة المتوازنة، تربية إيمانية متكاملة، من شانها تزكية النفوس، وعصمتها من الزلل؛ وتطهيرها من عصبيتها ورعونتها، وإبعادها عن أهوائها، حتىّ تفيض القلوب حبا لله عز وجلّ، وخشية منه، فيثمر هذا الحبّ لله حبا لعباد الله، وإشفاقا عليهم، وإحسانا إليهم؛ ويرقى العبد بمشاعره الإيمانية الى مقام الإحسان؛ فيعبد الله كأنه يراه؛ وتكون محبّته ملء كيانه، حتى لايحبّ مع الله سواه؛ ويجعل خشيته ملء شعوره، حتى يذوب من قلبه الخوف من كل ماسواه.

هكذا، تؤتي التربية الروحية ثمارها: محبه الله وخشيته، ومراقبته في السّرّ والعلن، مراقبة من يعلم أنّ على كل جارحة منه رقيبا وحسيبا، فيستعمل نفسه في طاعة مولاه؛ ويشغلها بتفقد عيوبه وإصلاحها، ويسعى في أسباب تزكيتها وفلاحها، مراقبة من يتذكّر أنّ مع الدنيا آخرة، وأنّ بعد الحياة موتا، وبعد الموت بعثا وحسابا.

ولهذا، تولي الزوايا التربية الروحية عناية خاصّة، باعتبارها الوسيلة المثلى للحياة الروحية الحقّة، تغرس في النفوس حبّ الخير وجبّ العمل؛ وتكفل للفرد والمجتمع معرفة الحقوق والواجبات، والالتزام بأداء الحقوق والواجبات. ومن ثمارها أنها تغسل قلوب الناس من جبّ الدنيا ومن أنانيتهم وحبّ أنفسهم؛ وتأخذ بأيديهم إلى الله،وتحررهم من العبودية للدنيا، ليعتصموا بالعبودية لله.

إنها الحياة الربانية التي توازن بين متطلبات الجسم ومتطلبات الروح؛ بل تتجاوز المادة إلى الروح والدنيا إلى الآخرة؛ وترتفع بالإنسان المخلوق إلى معرفة خالقه، وعبادته ومحبّته، وإيثاره على كل ماسواه، عن طريق تزكية النفس، ومجاهدتها في الله، حتى يهديها سبيله، وتنتصر على أهوائها وشهواتها الظاهرة والباطنة. فلا فلاح للنفوس بغير التزكية، كما قالى

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

أرجوزة في مدح بلدة أفلو وفق حروفها

كتبها محمد فتحي ، في 28 يوليو 2008 الساعة: 00:39 ص

أَفَلَتِ الوَحْشََةُ حَوْلَ   أَفْلُو*وَبَزَغَ الأُنْسُ بِــــــــــهَا لِيَحْلُو

آياتُ مَاضِيهَا الفِدَاءُ وَالوَفَاء * وَحُرْمَةُ العِلْمِ وَرَحْمَةُ الإِوَاء


فَرُبَّ فَاقِدٍ لِأَهْلِهِ وَجَــــدْ*فِيهَا الوَلاَءَ كَالفُؤَادِ فِي الجَسَدْ

لـاَذَ بِهَا فَهْيَ عَرُوسُ الكَرَمِ*

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

دور الزوايا في تحقيق الصحة النفسية للفرد والمجتمع للأستاذ د. فقيه العيد

كتبها محمد فتحي ، في 18 سبتمبر 2008 الساعة: 07:48 ص

 

التجربة الصّوفيّة كمصدر لبناء مفهوم

حول الصّحّة النّفسيّة

ودور الزوايا في الحفاظ على الصّحّة النّفسيّة

 للفرد والمجتمع

د. فقيه لعيد

جامعة أبي بكر بلقايد - تلمسان- الجزائر

 http://www.mediafire.com/?2yhndq3w2aj

 

   من بين الوظائف المتعددة التي تقوم بها الزاوية كمؤسسة وفقا لمرجعيّتها الصوفية الإسلامية، نجد الوظيفة التربوية الصحية التي تعتني بمساعدة الفرد وضبط سلوكه وتوجيهه وتقويمه في الحاضر بهدف تحقيق أفضل مستوى ممكن من الاستقامة كفرد صالح في المجتمع، يتحمل مسؤولياته ويعطي بقدر ما يأخذ، مستغلا طاقاته وإمكانياته إلى أقصى حد ممكن. وبذلك يهدف هذا الدور الذي تقوم به الزاوية إلى بناء الشخصية المتكاملة وإعداد الإنسان السليم نفسيا.

 

   ترى الزاوية أن الحديث عن الإنسان المريض نفسيا وما توحي به أعراضه مرده إلى طغيان المبادئ النفعية، وانتشار القيم الحسية بين أفراد المجتمع التي تهمّش كل ما هو إنساني وأخلاقي وروحي، وتتجه فقط إلى الاستمتاع الحسي العاجل المباشر دون أن تراعي مبادئ الحق والخير والجمال. فأصبح الإنسان في ظل ذلك لا يرى من حوله سوى الفوضى والتشتت، وصعوبة إشباع الحاجات و الرغبات الذي يضاعف الشعور بالاستلاب و الاغتراب النفسي والاجتماعي.  ولعل الدلالة التي تحملها مختلف الأعراض النفسية و العقلية ما هي في حقيقة الأمر إلا صرخة استغاثة لمن أصبح عاجزا عن تحديد هوية وجوده الفاعل نحو الآخرين. وما التجربة الصوفية التي تتبناها الزاوية إلا وسيلة لتنمية دوافع الهدى و السيطرة على دوافع الهوى، ولذلك أعطى مشايخ الزاوية على اختلاف طرقهم اهتماما كبيرا، لعمليات التعليم والتدريب والتوجيه أثناء عمليات السلوك الصوفي.

 

   تمتاز الزاوية بنوع خاص من المعرفة الصوفية الإسلامية لا نجد لها نظير في الأنواع الأخرى من الفكر الإنساني، فهي تجعل الجسد و الروح يتواكبان في كل متكامل لتجسيد الحقائق الروحية، وبذلك يشكل التصوف الإسلامي منهجا تربويا وأخلاقيا و اجتماعيا بتعاليمه يسمو الفرد ويطمئن، وبمبادئه ترتقي الجماعة وتسود الألفة بين الأفراد .

 

- فيا ترى هل ما تزخر به الزوايا الجزائرية بمثابة الإطار المرجعي النظري و التطبيقي يمكن من خلاله بناء قواعد متينة لتأسيس مفهوم حول الصحة النفسية ؟

 

وهل يمكن ترجمتها على أرضية الواقع إلى درجة أن المواطن العادي يستفيد من مظاهرها؟

 

- ألسنا بحاجة إلى الجمال و المحبة للحد من بشاعة الأشياء ولإيقاف البربرية المعاصرة ؟

 

   هذا ما يحاول البحث الحالي توضيحه من خلال التقرب إلى الزاوية الجزائرية كمؤسسة و استطلاع التراث الصوفي الإسلامي بها. فالدراسة الحالية تستهدف تحديد الإطار المعرفي العام لمفهوم الصحة النفسية ، ثم استخلاص مظاهر عامة مشتركة لها

 

أولا: مبادئ الصحة النفسية حسب التصور الصوفي الإسلامي

   يستند التصوف الإسلامي إلى القرآن الكريم و السنة النبوية كمصدرين أساسيين، باعتبارهما العقيدة والشريعة للدين الإسلامي. وقد كان لكلام الله أثره في دفع الشخصية المسلمة إلى التقرّب من الله بالعبادة والمجاهدة والاستقامة، ابتغاء وجه الله ومرضاته. كما كان للسيرة النبوية أثرها في حياة الصحابة، وشعلة أبدية في حياة المتصوفة، استصغروا الدنيا كما استصغرها صلى الله عليه وسلم، وناجوا ربهم كما ناجى ربه، وتطلعوا إلى حالة من الإشراق الروحي كما كان له صلى الله عليه وسلم. لقد كان لحديثه صلى الله عليه و سلم الوقع الكبير في نفوسهم، درسوها ظاهرا وباطنا، وحاولوا تطبيقها عمليا. يقول السهروردي (عوارف المعارف،1983،ص229) في هذا الشأن الصوفية أحيوا سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم لأنهم وقفوا في بداياتهم لرعاية أقواله، وفي وسط حالهم اقتدوا بأعماله فأثمر لهم ذلك إن تحققوا في نهايتهم بأخلاقه، وتحسين الأخلاق لا يأتي إلا بعد تزكية النفس، وطريق التزكية بالإذعان لسياسة الشرع.

   من هنا نلاحظ أن الإسلام يعتبر المصدر الرئيس للتصوف، ومع التقاء الإسلام بثقافات الشعوب التي أسلمت، تأثر بتلك الثقافات، فأكسبته عناصر جديدة ساهمت في تطوره وبلورته وتنوعه.

   النفس البشرية المذكورة في القرآن الكريم، ترتبط دوما بالإرادة الخيرة المتمثلة في تهذيب دوافع الإنسان الشريرة، على  هذا الأساس وضع الله تعالى الضوابط والمعايير للنفس البشرية. إن تحريك الهمة أو الإرادة، يهدف إلى التحكم في الدوافع على أساس الشعور الخُلقي القائم على طهارة القلب، وصفاء العقل، وسلامة السريرة التي تميز بين النافع والضار.

   لقد قامت الأخلاق الإسلامية لدى المتصوفة على أساس القرآن الكريم، والسنّة النبوية، اللذان يعكسان فطرة الإنسان في خدمة أخيه الإنسان، و استعداده للخير الفطري. من هنا نلاحظ أن الإسلام يعتبر المصدر الرئيس للتصوف، ومع التقاء الإسلام بثقافات الشعوب التي أسلمت، تأثر بتلك الثقافات، فأكسبته عناصر جديدة ساهمت في تطوره وبلورته وتنوعه. يرمي التصوف الإسلامي إلى تحقيق إنسانية الإنسان من خلال الأعمال الصالحة والأخلاق الحسنة التي يدعو إليها الدين الإسلامي الحنيف، والتي تنسجم مع واقع الإنسانية بفطرتها و طبيعة خصائصها. إن الأخلاق الإسلامية تعكس مكنون وأسرار الشخصية، سواء ما يتعلق بالناحية الجسمية، أو العقلية، أو النفسية والروحية. بما أن الأخلاق الإسلامية تمثل السمات التي تطبع سلوكات المتصوفة، فإن تهذيب الحاجات الإنسانية الروحية والمادية، وإفراغها في قالب المثالية الواقعية، تمثل الطريقة والمنهج الحياتي التي تقوم عليه.

   مما سبق ذكره يتضح جليا أن الصحة النفسية حسب التصوف الإسلامي، تقوم على الأسس الأخلاقية. وبما أن الإسلام أرسى قاعدة الكليات الأخلاقية، الذي تنطلق منه الأفكار و الممارسات السلوكية كالإيمان والتوحيد والتقوى والإحسان وغيرها، فإن أهل التصوف حاولوا أن يعيشوها ويتذوقوها ويتمتعون بفوائدها، من خلال التجربة الصوفية التي تقتضي البلوغ، والحرية، والنيّة. إنها عبارة عن شروط تعبر عن النضج العضوي والاكتمال البيولوجي، والتّمتع بالحرية و الوعي التام بالفكرة، وصدق التوجه. ولذلك يستند التصوف الإسلامي في تحقيق أهدافه على التربية كممارسة فعلية للمجاهدة، و الرياضة النفسية، والتدريب، والتعليم. وهكذا تصبح الشخصية الصوفية تتميز بسمات و خصائص روحية و فكرية و أخلاقية تعبر عن قيم عملية تتجلى في مختلف المقامات كما يؤكد ذلك سفيان بن عيينة (عوارف المعارف،1983،ص29) أجهل الناس من ترك العمل بما يعلم ، و أعلم الناس من عمل بما علم، و أفضل الناس أخشعهم لله تعالى. على هذا الأساس أهتم التصوف بالعوامل النفسية التي تختلج في نفس الإنسان، و يؤكد لنا ذلك السهروردي (عوارف المعارف،1983،ص34) حينما يقول: علم النفس ومعرفتها من أعز علوم القوم، و أقوم الناس بطريق المقربين و الصوفية أقومهم بمعرفة النفس، وعلم معرفة أقسام الدنيا، ووجود دقائق الهوى و خفايا شهوات النفس و شرهها و شرها، وعلم الضرورة و مطالبة النفس بالوقوف على الضرورة قولا وفعلا ولبسا وخلعا وأكلا ونوما. من خلال هذا التعريف لعلم النفس نستنتج أن التصوف الإسلامي لا يركز فقط في تعاليمه على تنظيم السلوك الظاهري للفرد، و إنما ينفذ إلى أعماق الإنسان الروحية ليوازن بين المحتوى الداخلي للنفس البشرية، وما يرسمه من سلوك خارجي ينسجم ويتوافق مع مكونات الإنسان.     

   لقد تناول التصوف الإسلامي النفس البشرية بنظرة شمولية واضحة، تعترف بالواقع الإنساني كما هو، من حيث القوى التي تتجاذبه، فهو يؤيد و يقرر التلاحم الضروري بين الحياة و الموت.

   إن سلامة الشخصية وصلاحها لا يرتبط بإرضاء الرغبات والغرائز، فليست الصحة النفسية مرادفة لتحقيق اللذة والشهوة، لأن ملذات الحياة أمور شخصية، وقد تتعلق بأمور لا نفع فيها      ولا جدوى، بل فيها الضرر الكبير، وأنها خاضعة لمجرد الرغبة من غير تقدير عقلي. الرغبات الحسية في أكثر أحولها تدفع إلى اضطراب الشخصية إذا سيطرت على نفسية الإنسان، وأصبحت همه وهاجسه الوحيد. وإذا كان إرضاء الرغبات والغرائز في موقع الرفض من المنظور الصوفي الإسلامي، فإنما ذلك يكون إذا تحكمت في العقول، وسيطرت على النفس. أما إذا وُجهت هذه الغرائز نحو تلبية حاجات النفس، و خاضعة لمنطق العقل وليست هدفا و غاية ينشدها الإنسان في هذه الحياة، ساهمت مساهمة فعالة في توازن الشخصية، وزادت من قوتها. 

   إن التصوف الإسلامي الأخلاقي لم يمنع إرضاء الرغبات، وتلبية الحاجات، بل قام بتنظيمها وفقا لمبادئ الشرع و العقل معا، وما يوجبه ضبط النفس. ولذلك قال الرسول صلى الله عليه وسلم: لا يؤمن أحدكم، حتى يكون هواه تبعا لما جئت به، أي تكون منظمة وفقا لأحكام العقل أو الضمير الإنساني، أي تتفق مع قوى الإرادة الإنسانية. هذا الحديث يقودنا إلى احترام الشخصية الإنسانية بحكم أن الصحة النفسية لا تكون إلا مع الحرية والضبط الذاتي.

   بما أن علم الصحة النفسية يجمع بين العلوم التقريرية والعلوم المعيارية، فإن مجال دراسة سلوكات الإنسان كما يجب أن تكون، لكي تتلاءم مع المصلحة الإنسانية وتحقيق السعادة التي هي غاية الإنسان، تمثل نواة التصوف الإسلامي، وبالتالي إنها تتفق إلى حد بعيد مع الهدف الذي تصبوا الصحة النفسية لتحقيقه.

  على ضوء ما سبق ذكره نجد أن الشق الأخلاقي من التصوف الإسلامي، يشترك في كثير من أهدافه مع الصحة النفسية وإن يختلفا في بعض وسائل تحقيق نفس الهدف، الذي يتمثل في بناء الشخصية المتكاملة بطريقة يشعر فيها بالسعادة والصحة والتوافق النفسي. الغاية القصوى التي يسعى إلى تحقيقها التصوف الإسلامي، تكمن في تغيير سلوك الإنسانية من أدرانها الفاسدة، حتى تشعر بالسعادة التي هي غاية الإنسان. إن الكثير من الاضطرابات النفسية التي يعاني منها الفرد، تعد نتيجة حتمية لضغوط العصر، وانعدام الوعي الأخلاقي، فأصبح الفرد عرضة للكثير من الضغوط الثقيلة التي تؤرقه، وتسبب له الكثير من الإزعاج وعدم الارتياح، وفقدان الأمن والاستقرار في ظل الرفاهية المادية، والتطور المدهش للتكنولوجيا الحديثة.


   إن اختلاف السلوكات الإنسانية من فرد إلى آخر، و من مجموعة إلى أخرى، و من مجتمع إلى آخر، سببا من أسباب الاختلاف في الرؤى والمنهج والأسلوب. ولا يكون السلوك شاذا إلا إذا هبط هؤلاء الأفراد إلى درجة الحيوانية وأطلقوا العنان لغرائزهم، فيصبح همّ كل واحد منهم تلبية رغباته ونزواته ولو على حساب الآخرين، حينها تصطدم رغباته مع رغبات الآخر الذي استجاب هو الآخر لنزواته، وكل يحب لنفسه الاستيلاء على أكبر قدر من المطالب والوصول إلى أقصى حد من الغايات، فيسيطر منطق الغاب، ويشتد التنافس بين الأفراد والجماعات، وتتضاعف الحاجات والمطالب التي تتجاوز طاقات الفرد و قدراته، مما يؤدي إلى انهيار البعض أمام ضغوطها، وينحرف على إثرها البعض الآخر. بينما لو تفحصنا مبادئ التصوف الإسلامي نجدها قد جعلت كل السلوكات تنتهي عند خدمة الجماعة الإنسانية وبذلك تتحد الغايات والأهداف.

   يرى الصوفية أن الرسالة المحمدية عاملت جميع الأجناس وعممت فيهم أحكامها بهدف إصلاح الجميع، وبيّن الله سبحانه وتعالى أن أصل التكوين الإنساني واحد، وأن الطبيعة الإنسانية واحدة، فيجب أن تكون المعاملة الإنسانية واحدة،و التكليف واحدا  مصداقا لقوله تعالى من سورة البقرة، الآية رقم 213: كَانَ النَّاسُ أُمَةً وَاحِدَةً فَبَعَتَ الله النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِيْنَ وَمُنْذِرِينَ، وَأَنزَلَ مَعَهُمُ اَلْكِتَابَ بِاَلْحَقِ لِيَحْكُمَ بَيْنَ اَلنَّاسِ فِيمَا اُخْتَلَفُواْ فِيهِ، وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلاَّ الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَآءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ، فَهَدَى الله الّذِين ءَامَنُواْ لِمَا اُخْتَلَفُواْ فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَالله يَهْدِي مَن يَشَآءُ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ

   تنظر مدرسة التصوف الإسلامي للإنسان نظرة شمولية، تضع بعين الاعتبار التفاعل القائم بين

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

روزنامة الموافقات بين التأريخ القمري الهجري والتأريخ الشمسي التقليدي والعالمي

كتبها محمد فتحي ، في 30 يوليو 2008 الساعة: 22:50 م

copyde2008concordances.doc
أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

التالي